ويؤكد هذا التأويل عندهم (1) قوله: إذا اشترى تمرا قبل الزهو فجده قبل الزهو، وكأن ما فعله من الجد قبل الزهو إشارة إلى أنهما عقدا على هذا الفعل الذي وقع من المشتري.
والتحقيق في هذا أن مقتضى العقد يقتضي المناجزة في الثمن والمثمون، والتأخير في أحدهما لا يكون إلا بالتراضي، والتراضي يكون مشترطا نصا أو متفاهما من جهة العادة أو غيرها، فإن ثبت النص على التبقية أو استدل عليه بعادة أو قرينة حال، فسد البيع. والبغداديون من أصحابنا يرون فساد البيع قبل الزهو (2) إلا أن يشترط القطع. ويتعلقون بنهيه عليه السلام عن بيع الثمرة قبل الزهو، ولم يفصل وهو على عمومه إلا ما استثناه الدليل. وقد وسعنا الكلام على هذا فيما تقدم، وإنما ذكرنا ها هنا منه ما تعلق بلفظ المدونة.
قال القاضي أبو محمد عبد الوهاب رحمه الله، في فصل قدمنا ذكره افتتح به البيوع:
وفساد البيع يكون بوجوه منها ما يرجع إلى المبيع ومنها ما يرجع إلى الثمن ومنها ما يرجع إلى المتعاقدين ومنها ما يرجع إلى صفة العقد ومنها ما يرجع إلى الحالة التي وقع فيها العقد. الفصل إلى آخره على ما قدمنا ذكره عنه وشرحنا كثيرا منه.
قال الإمام رحمه الله: يتعلق بهذا الفصل سؤالان:
1 - أحدهما أن يقال ما أقسام ما يرجع إليه فساد البيع؟
2 - وما حكم كل واحد من هذه الأقسام؟
فالجواب عن السؤال الأول: أما ما يرجع إليه فساد البيع، فإنه لا يخلو من أربعة أقسام:
1 - أحدها أن يرجع إلى العقد.
2 - والثاني أن يرجع إلى الثمن.
3 - والثالث أن يرجع إليهما.
4 - والرابع أن يرجع إلى شرط قارن العقد.
فالجواب عن السؤال الثاني أن يقال: قد تكلمنا على حكم الشروط الفاسدة المقارنة للعقد في كتاب بيوع الآجال. وذكرنا الاختلاف في البيع الذي قارنه شرط السلف، هل يقف فساد البيع على التمسك بالشرط أم لا؟ وقد ذكر القاضي أبو محمد في شرح الرسالة أحد قولين عندنا في وصف فساد البيع على التمسك بالشرط، وصحته على إسقاط الشرط، كالبيع بشرط السلف أو بشرط أن يتخذ الأمة المبيعة أم ولد أو لا يخرجها من البلد. فقال: إن هذه الشروط المقارنة للبيع يصح العقد إذا أسقط الشرط. واستثنى مسئلة واحدة وهي إذا اشترى سلعة واشترط خيار أمد طويل لا يجوز اشتراطه. فذكر القاضي أبو محمد أن إسقاط هذا الشرط لا يصحح البيع بخلاف غيره من الشروط. وأشار إلى أن إسقاطه صورته كصورة التمسك به. لأن مشترط هذا الأمر إنما اشترط أن يكون له الخيار طول هذا الأمد، بين أن يتمسك بالسلعة أو يردها، فإذا قال: أسقطت الشرط، فمعناه أني تمسكت بها. وقد كان له التمسك بحكم مقتضى الخيار لو كان صحيحا، وصورة تمسكه بها بحكم كصورة تمسكه بها إذا أسقط الشرط ليصح له التمسك بها. وهذا الذي قاله، وإن كان رمى مرمى خفيا، فإنه عندي قد يختلف، تخريجا من مسئلة من أسلم في ثمر سلما فاسدا، فلما فسخ عليه وقضي برأس المال أراد أن يأخذ منه تمرا مثل الذي منع منه بفسخ العقد، فقد قيل: إن ذلك لا يجوز لأنه يتهمه للفساد الذي منع المتعاقدان منه وكأن
الفسخ لم يفد. وقيل: يجوز له ذلك.
وينبغي أن ينظر في إسقاط هذا الشرط إذا مضى من أمد الخيار ما لا يجوز أن يشترط، هل لا يؤثر إسقاطه لكون الفساد قد حصل بطول الأمد، كأحد القولين في إسقاط السلف المقارن للبيع بعد أن قبض؟ هذا ينظر فيه على الطريقة الثانية التي أشرنا إلى تخريجها من مسئلة السلم الفاسد. وأما على طريقة القاضي أبي محمد عبد الوهاب فلا فرق، على مقتضى تعليله بين إسقاط الشرط وقد مضى من الأمد قليل أو كثير. ولعلنا أن نعيد الكلام على المسئلة في كتاب بيع الخيار.
وذكر القاضى أبو محمد في فصل بعد هذا آخر ذكر فيه فروع ما يرجع إلى الحال التي وقع فيها العقد. قال: منه البيع يوم الجمعة بعد النداء ممن تلزمه الجمعة أو أحدهما، فيفسخ إن وقع.