تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

فتلخص من هذا أن هذا القبض تتصور فيه المذاهب المختلفة في إسنادها إلى ما يسند ذلك إليه، هل يمنع من نقل الملك، وإن اتصل العقد بالقبض،

فيبقى المقبوض على ملك دافعه كالوديعة على حسب ما ذكرناه من حكايته القاضي إسماعيل وإشارته إلى التنبيه بالوديعة، أو يلحق بالرهان وإن لم ينقل ذلك القبض الملك لكون القابض ها هنا قبض لمنفعة نفسه، أو يضمن ضمان الغصوب، لأجل ما أشرنا إليه من كونه عند هؤلاء لم ينقل الملك ولا شبهة الملك. وللإذن في التصرف لهما وقع بشرط أن يكون البيع نافذا غير مردود، أو يكون قبض المبيعات التي صح ملكها بالمعاوضة عليها، كما قال أبو حنيفة، أو شبهة الملك، كما حكيناه عن بعض أصحابنا، وإسناد ذلك إلى المذهب، وحكينا نحن ما عندنا في ذلك مما أسندناه إلى المذهب.

والجواب عن السؤال الرابع أن يقال: يحسن ها هنا أن نصدر هذا الفصل بتقاسيم تتعلق بهذا الكتاب فمن ذلك أن عقود المعاوضة أربعة:

1 - عقد صحيح منحتم.

2 - وعقد صحيح غير منحتم كعقد الخيار.

3 - وعقد فاسد منحتم فساده، كبيع الغرر وشبهه.

4 - وعقد غير منحتم فساده، كبيوع الشروط التي فسد العقد لأجل ما قارنه من الشرط. فيجب للمشترط الفسخ إن تمسك المشترط، وإن سمح بإسقاطه انحتم العقد وصح، مثل البيع بشرط السلف، وبيع جارية على أن يتخذها المشتري أم ولد، على أحد القولين في وقف الفسخ على التمسك

بالشرط، والإمضاء على إسقاط الشرط.

والفساد يلحق العقد من ثلاثة أنحاء:

1 - من ناحية العقد.

2 - أو من ناحية الثمن.

3 - أو منهما جميعا.

والمتملكات التي يتصور فيها العقد الفاسد في البياعات أربعة:

1 - عقار

2 - وعروض

3 - وحيوان

4 - ومكيل وموزون.

والمفيت لهذه العقود الفاسدة أربعة:

1 - تغير الذوات

2 - أو تغير الأسواق

3 - أو إخراج عن الملك

4 - أو تعلق حق آخر بهذا المبيع.

فنبدأ بالكلام على حصول الفوت بمجرد القبض من غير أن ينضاف إلى ذلك أحد هذه الأربعة أقسام.

فاعلم أن المعروف من المذهب أن مجرد القبض لا يكون فوتا في البياعات الفاسدة. لكن ذكر ابن مسلمة أن الفسخ بعد القبض استحسان. وهذا إشارة منه إلى أن القياس كون مجرد القبض مانعا من الفسخ. وهو مقتضى المذهب الذي حكيناه من كون العقد الفاسد إذا اتصل به القبض ينقل الأملاك. وإذا تحقق نقل الملك لم يتصور الفسخ. وقد أطلق القول بعض أشياخي على ذلك الخلاف في البيع الفاسد، هل يفوت بالعقد أو القبض، تخريجا منه ذلك من مسئلة من أسلم في ثمر بعينه على الكيل لما زهي بشرط أن يأخذه تمرا. فإنا كنا قدمنا في كتاب السلم ذكر الاختلاف، هل يكره ذلك وينهى عن العقد؟ فإن وقع العقد، فسخ إذا لم يقبض، أو يمضي بمجرد العقد ويفوت المبيع بالقبض؟ وهذا التخريج عندي لا يحسن إطلاقه, لأن هذه المسئلة وأمثالها إنما يحمل النهي فيها على الكراهة لا على التحريم المتضح. والكراهة لا تلحق بالتحريم ويحسن أن يقال فيها: ينهى عن هذا العقد لكونه مكروها. فإن عقد، لم يفسخ لكونه ليس محرما. وهكذا قال ابن القاسم فيمن باع نخلا مثمرا على أن يختار منها نخلات، أي لكره هذا البيع. فإن وقع أمضيته، لقول مالك فيه. فشتان ما بين مكروه ومحرم، ومجمع عليه ومختلف فيه. وقد قال مالك: ما كراهة الناس فيه من هذه العقود، فإنه يفسخه إلا أن يفوت فيمضي، فعبر عن ذلك بالكراهة.

لكن ابن مسلمة لما أطلق القول بأن الفسخ بعد القبض في البياعات الفاسدة استحسان، صار هذا منه كالمسهل لهذا التخريج. وقد قدمنا نحن من ذكر المذاهب في تأثير العقد الفاسد المتصل به القبض ما تبنى عليه هذه المسئلة.

وإذا وضح ما قلناه في مجرد العقد المتصل به القبض، فلنذكر ها هنا ما

ذكرنا من الأقسام المفيتة، ونذكر حكمها في كل قسم من الأجناس المبيعة.

فأما العقار، فإن ذهاب عينه، واندراسه الذي يقوم مقام ذهاب العين، فلا خفاء يكون ذلك فوتا يمنع الرد للمبيع. لأن رد عين المبيع مع ذهابها يستحيل، وكذلك اندراسها المقارب لذهاب عينها. وأما التغيير لها، فإنها إن كانت ديارا فإن الهدم يفيتها. والأبنية في أرضها تفيتها. والأرضون يفيتها الغرس أو قطعه، وحفر الآبار وشق العيون، وما في معنى ذلك. لكون هذه الأحوال يتحول معها الغرض المقصود من العقار. والغرض المقصود إذا تبدل في العين فصارت (1) العين كأنها غير موجودة. وهذا الذي قلناه يشير لك إلى توجيه ما قاله أصبغ فيمن اشترى أرضا شراء فاسدا، فغرس فيها غرسا، فإنه قسمه على ثلاثة أقسام:

شرح التلقين · الجزء ٢ · الصفحة ١٩٠

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

شرح التلقينج ٢ · ص ١٩٠