تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وقيل: إن هذا مما خصت به عائشة رضي الله عنها، فأجيز لها فعل ذلك ليكون فسخ الشرط، والزجر عنه بالفعل والقول والبيان لجميع الناس آكد في المنع

منه. وقد بسطنا الكلام على هذا الوجه في كتابنا المعلم (1).

والجواب عن السؤال الثالث أن يقال: مجرد العقد الفاسد في البياعات لا ينقل ضمانها. لكن إن أمكن البائع المشتري من القبض، فترك ذلك باختياره، فعندنا فيه قولان:

1 - هل ينقل الضمان إلى المشتري كما ينقل الضمان إليه في التمكين في البيع الصحيح. ويعد التمكين كالقبض لما ترك المشتري المبيع باختياره وكأنه أبقاه بعد قبضه في يد بائعه كالوديعة؟

2 - أو لا ينقل التمكين ضمانا لكون الشرع نهى المشتري عن التمادي على هذا العقد، ونهاه عن قبضه، وأمره بفسخه. فلا يعد تمكين البائع منه كقبض المشتري له لما فعل المشتري، من اجتناب القبض، ما أمره به الشرع. بخلاف البيع الصحيح، فإن الشرع لم يمنع فيه من القبض منه ولا نهى عنه وصار التمكين فيه كالقبض. وأما إذا حصل القبض في البيع الفاسد، فإن الضمان ينتقل، ولكنه عندنا انتقال مقتضية شبهة الملك لا حقيقة الملك، على ما قدمناه وحكيناه عن بعض أصحابنا، وذكرنا نحن ما فيه عندنا وما قاله غيرنا من الأشياخ. وقد قال القاضي إسماعيل: إن بعض من حدث يقول: إذا مات العبد المشترى شراء فاسدا في يد مشتريه، فإن ضمانه من البائع، لكون هذا القبض عند هذا كقبض الوديعة التي يكون ضمانها من مالكها الذي أودعها. وهذا الذي ذكره خلاف طريقة فقهاء الأمصار، ولهذا أضافه القاضي إسماعيل لبعض من حدث مشيرا بهذا القول إلى كون هذا القائل شذ عن الجماعة.

فأما الحنفية، فإنها تراه ضامنا بالقبض, لأن حقيقة البيع حصلت، ولهذا نقلت الملك وحقيقة البيع نقل الملك بعوض، والأصل في العوض المعادلة، والمعادلة إنما تكون بالقيمة. لكنهما إذا تراضيا بتسمية قضي بها إذا كانت جائزة. فإذا أبطلها الشرع، رجع إلى الأصل وهو كون القيمة عوضا من هذا المقبوض. ولو زادت في المقبوض زوائد متصلة به لردت معه عندهم لكونها

بيعا للعين التي زيدت، وحكم التابع حكم المتبوع.

وأما الشافعية، فإنها لما صارت إلى أن البيع لم ينقل الملك، والمشتري يرد المبيع، صار في يده كالمغصوب، والغاصب يضمن ما قبضه غصبا، وكون المشتري قبض بإذن البائع لا يخرجه عن أحكام الغصب، لكون البائع إنما أذن له لاعتقاده أنه يملك بهذا العقد السلعة، ويتم لهما ما تعاقدا عليه. فإذا ظهر الأمر بخلاف ما اعتقد، صار كالقابض بغير إذن حتى قالوا على هذا: لو كانت أمة فاستخدمها لرد إجارة الخدمة، ولو باعها لنقض بيعه، ولو فاتت في يد مشتريها شراء فاسدا لغرم أغلى قيمتها في الأزمنة التي كانت في يده كما يغرم الغاصب أغلى القيم.

ونحن نرى أنه ليس كالغاصب لكون البائع أذن له في القبض والتصرف، ولا كالمودع لأنه قبض ما قبضه لمنفعة نفسه فتعلق به الضمان. ولكنا نعدل بين المشتري والبائع، فنرى أن تغير الأسواق يمنع من رد المبيع، ويوجب أخذ القيم على حكم ما سنبينه في أحكام القيم. وسحنون يجريه مجرى الرهان إذا كان البيع الفاسد متفقا على تحريمه، فيضمن قابض السلعة على عقد فاسد ما يغاب عليه، إلا أن تقوم البينة بهلاكه، ولا يضمن ما لا يغاب عليه. ويجري الأمر في ذلك على أحكام ضمان الرهان لما لم يقبض المشتري ذلك لمنفعة دافعه خاصة حتى يكون مثل الوديعة بل لمنفعة نفسه، فصار شبه الرهان. لكن شرط أن يكون الفساد والتحريم واضحا متفقا عليه لأجل أن المختلف فيه من ذلك يحسن أن يراعى فيه خلاف من أجازه، فيضمن كضمان البيع الصحيح. لكن يشترط في هذا القبض، لأجل تحريم العقد عند من صار إليه وتقاصره بمجرده عن نقل الملك حتى ينضاف إليه القبض على حسب ما قدمناه.

شرح التلقين · الجزء ٢ · الصفحة ١٨٩

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

شرح التلقينج ٢ · ص ١٨٩