أحدها: أن يغرس جميع ما أحاط بالأرض ويبقي جلها بياضا، فإن ذلك فوت.
وإن غرس منها ناحية بعينها، مما لها مقدار بالنسبة إلى ما بقي، فإن المغروس خاصة هو الذي يفوت.
وإن كانت هذه الناحية لا مقدار لها, لم يفت شيء من الأرض وترد إلى بائعها ويقضى عليه بقيمة الغرس. والأشبه أن يقضى عليه بقيمته قائما لكونه غرس بوجه شبهة. وإن كان أصبغ لم يصرح بهذا, ولكن مقتضى المذهب هذا الذي قلناه.
فأنت تراه كيف جعل الغرس فوتا للجميع، أو ليس بفوت في الجميع، أو فوتا في المغروس دون ما لم يغرس. وما ذلك إلا لما قلناه من اتضاح اختلاف الأغراض وتباينها أو تقاربها. فاعتبار ذلك وداه إلى هذا التقسيم الذي قسمه.
وقد اضطرب الأشياخ في مسئلة المدونة إذا باع جارية بجاريتين بيعا فاسدا، فإنه ذكر في المدونة فسخ العقد وإلزام القيمة مع ذوات المبيع. وتنازع
الأشياخ إذا كان الفوت في الجارية الرفيعة من الجاريتين اللتين بيعتا بيعا فاسدا، والجارية التي هي الحقيرة من الصفقة لم تفت، هل ينسحب حكم فوت الرفيعة على المحتقرة حتى يقدر أنها كالفائتة لكونها تابعا لما فات، والتابع يجري عليه حكم المتبوع، على حسب ما نقوله في أحكام الاستحقاق لإحدى الجاريتين، أو رد إحداهما بعيب، أو يفسخ البيع في التي لم تفت، وإن كانت محتقرة، لكون الفسخ حقا لله سبحانه، وحقه غير مبني على الأغراض. فلا يعقد في المحتقرة عقد فاسد من غير حصول فوت، بخلاف أحكام البيوع والاستحقاق، فإنها مبنية على حقوق الخلق واعتبار أغراضهم. فإذا استحقت الرفيعة من الجارتين وانتقض البيع فيها، كان لمن استحق ذلك من يده رد المحتقرة التي لم تستحق لبطلان غرضه في الصفقة لما استحق جلها والمقصود. وقد رأى أصبغ أن مرور السنين الكثيرة كالعشرين ونحوها على الديار المبيعة بيعا فاسدا يفيتها، واعتل بأن ذلك لا يكون حتى تتغير بالبلى. وهذا لا يخالف فيه. والروايات المذكور فيها أن مجرد الطول لا يكون فوتا، إنما أطلقت على أن طول الزمان لم يغير عينها.
وأما حوالة الأسواق في العقار، ففيه اختلاف: هل يفيت البيع الفاسد أم لا؟ فالأشهر لا يفيته. وقال ابن وهب: إن ذلك يفيته. وأجرى العقار مجرى العروض. وإذا كان السبب المانع من الفسخ المعادلة بين المتبايعين في رفع الضرر عنهما. ومن الضرر إذا زادت قيمة السلعة في يد المشتري أن يؤخذ من يديه، فيخسر ما اشتراها لأجله من الربح. وإذا نقصت قيمتها فرددناها على البائع، أضررنا أيضا به.
فكان من العدل بينهما المساواة في نفي هذا الضرر عنهما. فجعلت اختلاف الأسواق بزيادة أو نقصان يفيت البيع الفاسد، ولا فرق بين العروض والعقار في اعتبار هذا الضرر. وأشار بعض الأشياخ إلى الاعتذار عن المذهب المشهور من التفرقة بين العقار والعروض بأن الغالب في الديار أنها لا تشترى للتجارة بل للقنية والسكنى أو الاغتلال. فلم يؤثر اختلاف الأسواق لما لم يكن ذلك مقصودا عند المتعاقدين فيها. والغالب في العروض شراؤها
للتجارة. وإذا كان مقصود المتعاقدين زيادة الأسواق فيها وانخفاضها، أثر ذلك في العقد ومنع من الفسخ، وتغير الحكم في الفسخ لما تغير المقصود. وإذا نقض البيع في العقار المبيع بيعا فاسدا قبل الفوت ولم ينقض بعد الفوت وقد بينا وجوه الفوت، فإن الزرع في الأرض لا يفيتها ولا الإثمار في النخل. فأما الزرع فإنه من حق المشتري للأرض شراء فاسدا أن يبقى زرعه فيها إلى أن يحصده من غير أن يجب عليه كراء، لكونه كمحتل بوجه شبهة، وضامنا لما اغتله. وقد قال عليه السلام: "الخراج بالضمان" (1). إلا أن يتوجه الحكم عليه بفسخ البيع، وإبان الزراعة لم يفت، فإنه يجب عليه كراء الأرض, لأن الأصل إذا حكم بالفسخ، قلع زرعه ورد الأرض فارغة إلى بائعها على حسب ما أخذها منه، لكن في ذلك إتلاف مال المشتري وإضرار. وقد قدمنا أن حوالة الأسواق تمنع من رد المبيع لنفي الضرر عن المشتري إن زاد سوق السلعة، وهي في يديه، وعن البائع إن نقص سوقها، وهي في يد المشتري، فكذلك يجب مراعاة حق المشتري في أن لا يتلف زرعه فيجب إبقاؤه لأجل هذا, ولكن في إبقائه أيضا منع البائع من زراعة أرضه، وإبان زراعته لم يفت، فيجب أيضا ألا يضر بالبائع ويحرم الانتفاع بأرضه. فكان العدل بينهما إقرار زرع المشتري وإعطاء البائع كراء ما حرم الانتفاع به. فإذا وقع الفسخ بعد الإبان، فإن البائع لم يحرم انتفاعا يجب أن يعاوض عنه. وأما لو كانت نخلا أثمرت وقد اشتريت شراء فاسدا، فإن الثمرة ترد على البائع لما وجب رد النخل، إلا أن يحصل لها حكم كونها غلة، فيكون للمشتري لكونه ضامنا، والخراج بالضمان. واختلف متى يكون ها هنا غلة، فقيل بطيابها، فإذا طابت كانت للمشتري ولا بد مع النخل، كما لو قبضها المشتري وأكلها، ثم وقع الفسخ بعد ذلك. وقيل: بل يكون لها ها هنا حكم الغلة بالإبار وتكون للمشتري. وسنبسط الكلام على هذا وأمثاله في الحال التي تكون بها الثمرة غلة إذا ردت النخل بعيب أو استحقت أو أخذت بشفعة أو بحكم تفليس، وأحكام نفقة المشتري عليها وسقيه لها في