وأما لو كان الاختلاف في بيع نساء كاختلاف المسلم والمسلم إليه في مقدار المكيلة التي عقد السلم عليها، فإنهما إذا ادعيا ما يشبه جرى ذلك على الخلاف المتقدم الذي بيناه. وإن ادعيا ما لا يشبه فإن ابن القاسم اختلف قوله في هذا، والمشهور عنه أنهما على الوسط من سلم الناس من يوم تعاقدا السلم.
ولكن في الأسدية أنه اختلف قوله. فقال مرة بهذا، وقال مرة أخرى: بل يتحالفان ويتفاسخان. ورأى بعض الإشياخ أن هذا القول هو البخاري على أصلهم، لقولهم، في اختلاف المسلم والمسلم إليه في مكان قضاء السلم فادعى كل واحد منهما أنه شرط القضاء في بلد غير البلد الذي وقع فيه العقد، ولكنهما ادعيا بلادا بعيدة لا يشبه أن يشترط قضاء السلم فيها لبعدها، أو لمعنى آخر يستنكر معه دعوى كل واحد منهما ما لا يشبه. وهذا عندي لا يشبه اختلافهما في المكيلة وقد ادعى كل واحد منهما ما لا يشبه لأن مقدار المكيلة ربما ضبط من جهة العوائد، فيسأل أهل المعرفة بهذا السلم، ومقتضى العادة في كم يسلم مائة دينار في قمح يوجد عند حلول سنة من يوم العقد؟. فإذا قالوا: قول البائع: أسلمت إليه في قفيز واحد، مستنكر لا يشبه، وقول المسلم: في ألف قفيز، مستنكر لا يشبه، وإنما يشبه في العوائد أن تسلم المائة في مائة قفيز من القمح. فهذا مما يضبطه التجار. وأما تعيين بلد لقضاء السلم مع كثرة البلاد وتقاربها في المسافة، مشرقة عن بلدهما أو مغربة، فإن هذا مما يضبط (1) فيه تعيين بلد فلهذا قالوا فيه بالتحالف.
وألحق بعض الأشياخ بهذا الذي استشهد به من اختلافهما في البلد اختلافهما في أجل السلم، وسنتكلم على اختلافهما في أجل السلم في موضعه إن شاء الله تعالى.
وإن ادعى أحدهما ما يشبه، والآخر ما لا يشبه، فإن كان من ادعى ما لا يشبه هو الذي عليه السلم فالقول قوله إذا حل الأجل، على الاختلاف الذي قدمنا بيانه وذكرناه في كونهما جميعا ادعيا ما يشبه فكيف إذا كان الغارم هو الذي ادعى ما يشبه والآخر ادعى ما لا يشبه. وأما إن كان المدعي ما لا يشبه هو الذي عليه السلم، والمسلم ادعى ما يشبه، فإنه ذكر في كتاب السلم من المدونة أن المسلم مصدق ويقضى على المسلم إليه بالمكيلة التي ادعاها المسلم، مع كون المسلم إليه لم يقر ببيع المقدار الذي ادعاه المسلم؛ خلاف ما صنع في
كتاب الأكرية في اختلاف المكري والمكتري في المسافة التي وقع العقد عليها، فقال المكرى منه: اكتريت بمائة دينار إلى برقة. وقال المكتري: بل إلى إفريقية. وكانت دعوى المكري لا تشبه، فإنه لم يقض على المكري بأن يبلغ المكتري إلى إفريقية لما كانت المسافة التي زادت على برقة لم يقر بيعهالأولا يقضى على رجل ببيع سلعة لم يقر بأنه باعها.
وكان بعض أشياخي يشير إلى أنه لا يتجه بين السؤالين فرق محقق، وبعضهم يشير إلى فرق ليس بالواضح، فيقول: إن أجزاء المسافة كسلع منفردة ادعى رجل شراء جميعها، ووهم (1) مالكها أنه لم يبع منه إلا بعضها، فإنه لا يصدق على المالك في دعواه. وإن كان مقدار الثمن الذي اتفقا عليه لا تشبه معه دعوى البائع، مثل أن يقول المشتري: بعت مني ثوبك هذا، وعبدك، بمائة دينار. ويقول البائع: لم أبع منك بالمائة دينار سوى الثوب. ويقول أهل المعرفة: لا يشبه أن تكون المائة دينار ثمنا للثوب خاصة، ويشبه أن تكون ثمنا للثوب والعبد. فإنه لا ينفع المشتري كون البائع ادعى ما لا يشبه، في تصديقه عليه في إخراج ملكه الذي لم يقر ببيعه. وكذلك الزائد من المسافة على برقة، وهو كسلعة أخرى لا يقضى على المكري بأنه باعها لكون الثمن الذي وقع به الكراء لا يشبه أن يكون ثمنا لمسافة نهايتها برقة، وإنما ينفع المشتري كون البائع ادعى ما لا يشبه في تصديقه في غرامة ما يغرم من الثمن في إيصاله إلى برقة، وبعض ثمن الكراء على دعوى المكتري، فيلزمه منه ما ينوب إيصاله إلى برقة، على أن نهاية المسافة إفريقية. ورأى أن اختلافهما في مقدار المكيلة المسلم فيها اختلاف في عقد واحد عقد على ما في الذمة، وما في الذمة شيء متحد، وهو المعقود عليه، فمن ادعى في هذا المتحد ما لا يشبه لم يقبل قوله. وهذا تخييل فيه بعد، وعدد الأقفزة يمكن أن يتصور فيه أنه كسلع مختلفة، كما صور في أجزاء المسافة، فلهذا أشار بعض أشياخي إلى أنه لا يتجه بين السؤالين فرق.