وقال غيرهم من الأشياخ: يمكن أن يكون توقى في السلم، إذا لم يغرم المسلم إليه ما ادعاه المسلم من المكيلة، وقضى عليه برد بعض رأس المال، أن يوقع هذين المتعاقدين في بيع وسلف، وقد علم أنه لا يجيز الإقالة من بعض رأس مال السلم، على ما يرد بيانه في موضعه، مخافة أن يكونا أظهرا كون الثمن سلما، وأبطنا كون بعضه سلفا يرد عند أمر اتفقا عليه في الباطن، وهو وقت إظهار هذا الخلاف بينهما ليتوصلا به إلى بيع وسلف.
وهذا الذي أشار إليه الشيخ أبو إسحاق التونسي، ولكنه ذكر أنه ليس بالبين، وكيف جرت الحال فهو أبين من الفرقال في حكيته عن بعض الأشياخ.
وأنت إذا علمت جميع ما قدمناه من حكم اختلاف المتبايعين في مقدار الثمن، وأحكمت إجراء ما شذ عنه من فروع هذا الباب على الروايات المذكورة أمكن أن يعرف منه الحكم في نقد بعض الثمن أو بعض المثمون أو نقد البعض من هذا وهذا. فلنذكر مثالا لنقد بعض الثمن أو بعض المثمون يعرف منه حكم نقد بعض أحدهما دون الآخر:
فذكر ابن المواز اختلاف رجلين في بيع طعام، فقال البائع: بعتك صاعين بدينار؛ وقال المشتري: بل اشتريت منك ثلاثة آصع بدينار. وقد قبض المشتري صاعا وقبض البائع نصف دينار، فقال ابن المواز: عليهما اليمين ويعطي البائع بربع دينار نصف صاع.
وهذا جواب فيه إجحاف، ونحن نبينه، ونقدم لك أن هذا الجواب الذي ذكر، إنما يجري على أحد الروايات، وهو تصديق القابض، وكون النقد المقبوض فوتا. وأما من لم ير القبض فوتا فإن الحكم عنده التحالف والتفاسخ ورد ما قبض هذا وهذا. لكن من يرى النقد المقبوض فوتا يقول: إن نصف دينار المقبوض مقبوض على ما قبض من الطعام وما لم يقبض، فالذي ينوب الصالح المقبوض من النصف دينار المقبوض، ربع دينار، على مقتضى دعوى البائع؛ لأن البائع يقول: سلمت نصف الطعام على نصف ما قبضت من الذهب.
وينوب الصاع المقبوض عن دعوى المشتري سدس دينار؛ لأنه يقول: النصف دينار، الذي سلمت، يفضق على ثلاثة آصع، فينوب الصاع الذي قبضت نصف دينار. وهو يحاول أن يسترد من البائع قيراطين من الربع دينار الذي ناب الصالح، على قول البائع، والبائع قد حافي هذا الربع دينار وقبضه، والنقد المقبوض فوت فيصدق القابض. لكن يقول البائع: يبقى لي من حق الصالح الذي دفعت ربع دينار آخر، ويقول المشتري: لا يبقى لك سوى سدس دينار على فض النصف دينار، على دعوى (1) والمشتري حائز لما في ذمته، فلا يلزمه أن يغرم الزيادة على سدس دينار، وهو لم يقر يكون ذلك في ذمته. فلا يقال ها هنا: هلا قلتم: لا يغرم المشتري سوى قيراطين، وهي نصف سدس، لكون البائع ظلمه في قيراطين من الربع دينار الذي صدقنا البائع فيه، على مقتضى الفض على دعوى المشتري. قيل: لو أسقطنا على المشتري، فيما يغرم، هذين القيراطين، لم ينفع البائع كونه حائزأ للربع دينار، الذي صدقناه في كونه استحقه؛ والمسألة إنم ابن بن علي كون القابض مصدقا فيما قبض، فلو عدنا إلى محاسبة المشتري بما يقول: إن البائع ظلمني، بجحوده له، مع اعترافه بأنه يستحق ذلك في ذمته، ودعواه أنه ظلمه البائع لبطل هذا الذي أصلناه. وإذا اتضح حكم هذا الصالح المقبوض، فإن الصالح الذي لم يقبض ينوبه مما قبض البائع ربع دينار، فيصدق البائع في مقدار. ما يستحق عليه به الطعام، والذي يستحق عليه به من الطعام، على مقتضى دعوى (2) نصف صاع، فيقضى عليه بربع نصف صاع للمشتري، فيحصل للمشتري من هذه الصفقة صاع ونصف، ويحصل للبائع ثلثا دينار. فهذا بسط ما أشار إليه ابن المواز من جواب هذه المسألة.
ولما يجر القول في اختلاف المتبايعين في الثمن والمثمون، مشتملا (3)
على فروع كثيرة تكرر في أجوبتها أنهما يتحالفان ويتفاسخان، وجب أن نبين
حكم هذا التحالف والتفاسخ. والكلام فيه من خمسة أوجه: