تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وإن لم يقم المشتري بهذا العيب ورضي به، وقام بالاختلاف في الثمن، فإنهما يتحالفان ويتفاسخان. وإن قلنا: إن ضمانها من المشتري، وهي في يد البائع

كالرهن بالثمن، فإن التغيير (6) ها هنا في سوقها أو ذاتها يوجب تصديق المشتري في الثمن، كما لو فاتت في يده.

لكن يعرض في هذه المسألة حكم آخر، وهو كون المشتري، الذي صار ها هنا راهنا، لا يصدق في مبلغ الدين إذا ادعى منه دون قيمة الرهن، والمرتهن لا يعمر ذمة الراهن بما لم يقر له به، وإنما له حبس الثمن حتى يفتك منه بقيمته التي ادعاها وزعم أنها دين له على المشتري والسلعة رهينة بها، ويكون الرهن شاهدا على نفسه لا على الذمة، على إحدى الطريقتين؛ فإذا كان المبيع جارية، وحدث بها في أيام احتباسها بالثمن عور، وهو في التقدير ربع قيمتها، صار هذا الربع قد فات في يد المشتري، فيصدق في مقدار ثمنه، كما يصدق في ثمن سلعة فات جميعها في يديه. وقد قررنا على هذه الطريقة التي يحكم فيه (1) بكونه ضامنا لما حدث من عيوب أن هذا الحادث في يد البائع يقدر أنه حدث في يده، وما فات في يديه صدق في ثمنه، ويبقى ما يقدر أنه ثلاثة أرباع هذه الجارية في القيمة، يقع فيه التحالف والتفاسخ، فيحلف المشتري لينفي عن ذمته ما يطلب البائع أن يقضى له به عليه، ويحلف البائع لئلا يؤخذ من يده الرهن بما لم يقر به مما هو مصدق في كون الرهن ليس برهن فيما هو أقل منه، على ما سنوضح هذه الإشارات في كتاب الرهن إذا تكلمنا على اختلاف الراهن والمرتهن إن شاء الله تعالى.

وهذه الطريقة القياسلك ابن عبدوس في هذه المسألة من تصديق المشتري في ثمن ما فات، والتحالف فيما لم يفت.

وقد ذكر بعض البغداديين من أصحابنا في مرافعته للخلاف من تأويل الحديث الذي تقدم ذكره، واشترط فيه كون السلعة قائمة، لما قال المخالف: إنما اشترط أنها إذا فاتت في يد البائع لم يكن تحالف لكونه ضامنا لهما. فهذا فائت ذكر اشتراط قيام السلعة الواقع في هذا الخبر. فقال هذا الرجل من أصحابنا، وأظنه ابن القصار: ضمانها عندنا من المشتري، وفوتها في يد البائع كفوتها في يد

المشتري، فيصدق المشتري في فوتها، كان (1) هذا الفوت في يد البائع.

ورأيت القاضي إسماعيل ذكر ما يشير إلى خلاف هذا، فقال: إذا اختلفا في الثمن فإن للبائع حبسها حتى يأخذ الثمن، ولا يلزمه تسليمها بما لم يقر به، ولا يصدق على الشزي في تعمير ذمته بما لم يقر به، وفوتهما في يد البائع الحكم فيه التحالف والتفاسخ. فلم يصدق المشتري ها هنا بهذا الفوت الواقع في يد البائع، فيمكن أن يكون بناء ذلك على أحد القولين في كون البائع ضامنا لها، على حسب ما بيناه لما خرجنا الخلاف المذكور. وإذا جعلنا الفوت في يد المشتري يوجب تصديقه، على ما اختاره ابن القاسم، فإن ذلك إذا ادعى ما يشبه أن يكون ثمنا للسلعة التي فاتت في يديه. فإن ادعى ما لا يشبه صدق البائع فيما يدعيه من الثمن إذا ادعى ما يشبه. فإن ادعيا جميعا ما لا يشبه رد إلى قيمة السلعة، وصار دفع قيمتها كدفع عينها. وقد كنا قدمنا أن اختلافهما مع قيام السلعة يقتضي التحالف والتفاسخ جميعا، لكون كل واحد منهما لا مزية له على صاحبه. وكذلك إذا ادعيا ما لا يشبه تحالف اوتفاسخا أيضا لكونهما لا مزية لأحدهما على صاحبه.

فإذا انفرد أحدهما بدعوى ما يشبه دون الآخر كان فيه الخلاف الذي ذكرناه عن عبد الملك وغيره، والأشهر أنه لا يراعي دعوى الشبه مع القيام. وقد ذكرنا وجه ذلك فيما تقدم. فإذا فاتت السلعة فلم يقع نص خلاف عندنا في مراعاة دعوى الشبه، فيصدق من ادعاه دون صاحبه المدعي ما لا يشبه، لكون الحديث ورد فيه اشتراط قيام السلعة في التحالف والتفاسخ على الإطلاق من غير مراعاة دعوى شبه، ولكون السلعة قائمة يمكن ردها بعينها إلى مالكها، حتى إذا وقع الفوت صارت المنازعة في غرامة مال من الذمة، فلا يصدق فيه من إدعى ما لا يشبه.

شرح التلقين · الجزء ٢ · الصفحة ١٨

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

شرح التلقينج ٢ · ص ١٨