ومثال الثالث: بيع وقت الجمعة، فإنه لا يمنع عندهم انعقاد البيع ولا صحته, لأن النهي لم يعد إلى عين المبيع ولا إلى معنى متصل به، وإنما عاد إلى معنى منفصل عن العقد وهو الاشتغال عن صلاة الجمعة، حتى لو باع في طريقه إلى الجمعة ولم يشغله البيع عنها، فإنه لا يمنع من ذلك. ولو اشتغل بغير البيع من المباحات لمنع من ذلك. فلم يؤثر هذا النهي في صحة العقد، كما لم يؤثر النهي عن الصلاة في الدار المغصوبة في إجزائها, لكون النهي تعلق بمنع اشتغال الغير بأن يشتغل كل صلاة أو غيرها (2). وأيضا فإن أصل البيع الجواز
لقوله تعالى: ﴿وأحل الله البيع وحرم الربا﴾ (1). وما نهي عنه إنما يتعلق بحاصل موجود يكون إيجابه باكتساب، وكفه عن ذلك باكتسابه. فلو كان العقد لا ينقل الملك لما تصور الملك، وإذا لم يتصور عنه وهو منهي عنه، صار النهي كالمتعلق بما لا يمكن، وذلك مما لا يحسن النهي عنه، كما لا يحسن أن يقال للأعمى: لا تر كذا, ولا تقرأ كذا. فإذا أشعر تعلق النهي يكون المنهي عنه يمكن إيقاعه، ولا يمكن إيقاع البيع الفاسد إلا بأن يتصور فيه انتقال الملك، وهذا يقتضي كون البيع الفاسد ينقل الملك ما لم يقع بميتة أو دم، لكون ذلك مما لا تتصور فيه حقيقة المالية. والبيع لا يتصور فيه حقيقة إلا محل (2)، والمحل لا بد أن يكون له حقيقة المالية، وعاقد له حقيقة الأهلية، وهو العاقل المميز الذي يكون أهلا للبيع. بخلاف العقد بخمر أو خنزير، فإن له حقيقة المالية، ولكن فقد وصفا شرعيأوهو كونه مما يقوم. وكان مقتضى هذا التقسيم والتركيب أن ينقل الملك بمجرد العقد، لكن لما ضعف العقد يكون الشرع سلبه وصف الجواز والصحة، احتاج هذا الضعيف إلى ما يقويه حتى يحصل انتقال الملك وما ذاك إلا القبض. ألا ترى أن الهبة لما ضعف القول فيها, لم ينقل مجرده الملك حتى احتاج إلى ما يقوي هذا الضعف وهو القبض، ولم يلزم هذا في عقد نكاح وقع على فساد, لأن العقد في الأنكحة له حرمة، بخلاف حرمة البيع، قوي من أجلها، فاستغنى عما يقويه في نقل الملك، وجرى مجرى الوطء في النكاح الفاسد الذي ينقل الملك. وأيضا فإن العقد الفاسد يسلبه النهي وصف الحل والجواز، وحقيقة النكاح أن يكون حلالا. ومن آكد ما يستدل به الكتابة الفاسدة، فإنها يثبت معها العتق عندهم وعند الشافعية. وأجيبوا عن هذا بأن اتفاقهم عليها إنما كان لأجل حرمة العتق، ألا ترى أن من أعتق جزء عبد عتق عليه ما لا يملكه منه تغليبا لحرمة العتق. بخلاف أن يبيع نصيبه منه. وأيضا فإن الكتابة كأنها عتق معلق بصفة، والتعليق بالصفة ينفذ فيه العتق سواء كانت
الصفة جائزة، كقوله: إن دخلت الد فأنت حر، أو ممنوعة كقوله: إن قتلت مسلما فأنت حر.
وأما الشافعية، فإنها ترى أن النهي يدل على فساد المنهي عنه وارتفاعه، سواء كان النهي يعود لعين المنهي عنه أو لمعنى متصل بها. لأن ما اتصل بها وكان لازما لها فإنه يكون كالرافع (1) إلى العين، فلا معنى لهذه التفرقة. وأيضا فإن القبض من مقتضى العقد، وهو تابع للعقد، فإذا لم يحصل الملك والضمان بمجرد العقد الذي هو الأصل، فأحرى ألا يحصل بما يتبعه وهو متفرع عنه وهو القبض.
ويرون أن قوله تعالى: ﴿وأحل الله البيع وحرم الربا﴾ (2) على حسب ما قدمنا نحن ذكر اختلافهم فيه. وقد تقرر في الشريعة أن ما نهى الله عنه ورسوله غير مأذون فيه، وهو مردود. ولا يصح الجمع بين كونه منهيا عن مباشرته وفعله وبين كونه منعقدا منبرما ناقلا للملك, لأن هذا يصير كالمتناقض من الأحكام.
وقد يتعلق في هذه المسئلة بحديث بريدة (3) وهو كون اشتراط الولاء للبائع لا يجوز. ثم مع هذا قال لها عليه السلام: "اشتري واشترطي لهم الولاء فإن الولاء لمن أعتق" (3). فإنفاذ عتقها يدل على صحة ملكها، وكون هذا العقد نقل الملك إليها. وهذا الاستدلال إنما يصح لو قلنا: إن عقدها كان فاسدا، وأنهم اشترطت لهم الولاء حين العقد. وهذا لا يصح أن يضاف إليها، وهي قد فعلت ما فعلته بعد مشاورة النبي عليه السلام. وقد قيل: معنى: اشترطي لهم الولاء اشترطي عليهم، كما قال تعالى: ﴿وإن أسأتم فلها﴾ (4) يعني فعليها.