فحرم ابن عبد الحكم البيع لأجل كون هذه نجسة، والنجس لا يباع كما قدمناه لما ذكرنا الحديث الوارد في مثل هذا. ورأى ابن القاسم أن هذه الضرورة تبيح المحظور. وأشير في بعض الروايات إلى أن الزبل أخف في هذا من العذرة، لكون العذرة متفق على نجاستها. وفرق في العذرة بين البائع والمشتري. لكون المشتري لا مندوحة له عن الشراء، وكون البائع يمكنه بذل ذلك بغير عوض.
فالضرورة متحققة في حق المشتري، وغير متحققة في غير (1) البائع. وقد كره ابن عمر أكل البقل الذي ينبت بهذا. ذكر عنه ابن المواز، وقال: وأنا لا أرى بأكله بأسا. فكأن ابن عمر لا يرى استحالة عين النجاسة مؤثرا. وهذا الذي ذكرناه في هذه المسئلة مأخوذ حكمه وتعليله مما قدمناه وأصلناه فيما قبل.
والجواب عن السؤال السادس أن يقال: الشعر كأنه متكون عن أبخرة وغيرها مما ينبعث من البدن على رأي صناعة أهل الطب. وقد اختلف العلماء في طهارة شعر الميتة. فقال مالك إنه طاهر. وقال الشافعي: إنه نجس. وسبب هذا الخلاف ما قدمناه مرارا من كون ما كانت به حياة ثم ذهبت بأمر إلهي، فإنها به ميتة، وما لم تخلق فيه حياة قط، فلا يقال: إنه ميتة، في عرف التخاطب،
ولكنه جماد أو موات. فإن سلمنا أن الشعر كان حيا أيام حياة ذي الشعر، ثم مات ذو الشعر، فإن الشعر يموت بموته، وإذا مات وذهبت منه الحياة وتعقبها الموت، كان ميتة. والميتة ليست بطاهرة، ويستدل على كونه حيا بنمائه وزيادة أجزائه، على حسب ما تنمي أجزاء بدن الحيوان الحية كسائر أعضائه وغيرها.
وإن قلنا: إنه لم تخلق فيه حياة قط، فإنه لا يكون ميتة بموت ذي الشعر، لما قدمنا من كون هذه التسمية إنما يراد بها ما كان حيا فمات حتف أنفه. ويستدل لهذا المذهب بكونه لا يحس الألم، ولا يحسه ذو الشعر إذا قص ذلك عنه.
وإنما يستدل على وجود الحياة أو فقدها بإحساس الألم أو فقده, لأن الإحساس للأم أو اللذة إنما تكون في الحساس الدارك، ولا يكون حساسا دراكا من الحيوان إلا وله إدراك وحياة، فإذا لم تدرك الآلام ولا اللذات، فقد فقد الحس والإدراك، وذلك يشعر بكونه جمادا أو مواتا، إذا لم توجد آفة منعت من الإدراك، فإذا ذهبت عاد الحس والإدراك إلى ما كانا عليه. والاستدلال على الحياة بوجدان الحس والألم أولى من الاستدلال بالنماء وانبساط الجسم في الجهات, لأن النبات ينمي ويزيد، ثم ليس هو بحي.
وشعر الخنزير يجري مجرى شعر الميتة من الحيوان الذي يحل أكله. لكن أصبغ خالف في هذا، ورأى أن شعر الخنزير نجس على كل حال حيا أو ميتا، كما كان الخنزير نجسا حيا وميتا. بخلاف الشاة والبقرة فإن أعيانهما طاهرة حال الحياة، فكذلك شعورهما بعد الموت لكونها غير مشاركة في الحياة.
والجواب عن السؤال السابع أن يقال: المسك طاهر عند جمهور العلماء. وشذ قوم، فقال وابن جاسته. وكأنهم قدروه كفضلة انبعثت من جسم الغزال الذي يؤخذ منها المسك، حتى صارت كعضو منها (1) تلحق فيه الحياة، ثم تخلق (2) فيه الموت إذا فارق الجسم الذي أخذ منه وانفصل عنه، عاد كإصبع قطع من
الحيوان، فإنه يكون نجسا لكون حياته عدمت من غير تذكية. وأما الجمهور الذاهبون إلى طهارته، فإنهم يشيرون إلى حصول الاتفاق على استعماله والتطيب به في زمن السلف حتى صار كالإجماع. وقد أشار البخاري إلى الاستدلال على جواز بيعه بحديث أبي موسى أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "مثل الجليس الصالح والجليس السوء كمثل صاحب المسك وكير الحديد لا يعدمك من صاحب المسك إما تشتريه أو تجد ريحه، وكير الحداد يحرق بيتك أو ثوبك أو تجد ريحا خبيثة" (1).
فأشار البخاري إلى الاستدلال بقوله: "إما تشتريه". وظاهر هذا إباحة الشراء، ولو كان نجسا لم يبع ولم يشتر، على حسب ما أصلناه في منع بيع النجاسات التي لم تضطر ضرورة إلى إباحة بيعها. كما لم يجز بيع الخمر لنجاستها وكونها لا ضرورة بالإنسان إلى الانتفاع بها، بل يضره الانتفاع بها لكونها تصد عن ذكر الله في حق الصلاة، كما قال سبحانه. وقد ذكر أيضا في الصحيح دم الشهداء وشبهه بالمسك في طيب رائحته (2). وهذا يشعر بطهارته لكون الحديث ساقته (3) تدل على المدحة والثناء. وأيضا فإنا لو سلمنا أنه نجس وأنه من دم الغزلان التي يؤخذ منها المسك، كما أشار إليه المتنبي في قوله يمدح سيف الدولة: