تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

فإن تفق الأنام وأنت منهم ... فإن المسك بعض دم الغزال

فإنه قد استحال عن كونه دمأوتبدلت أعراضه وصفاته. وقد قدمنا أن تبدل الصفات وتغير الأسماء والأشكال للأجسام تقتضي تبدل الأحكام في النجاسة. وهذا إذا سلمنا كون المسك كله صفة واحدة. ويمكن أن يكون يؤخذ منه ذلك بعد التذكية المبيحة لأكله فيكون هذا المقدار من جنسه طاهرا أيضا.

ويمكن أيضا أن يكون يؤخذ منه ولا يؤلمه، وليس الطريقين اللذين ذكرناهما.

وقد وقع اضطراب في الطرطر الذي يشبب به الصوف إذا صبغ باللك (4)، هل

يجوز أم لا؟ فإن قدرنا أنه ليس بنجس لأنه استحال عن كونه خمرا استحالة غيرت اسمه وصفاته لكونه يابسا والخمر مائعة، ولكون الخمر يسكر وهو لا يسكر، لم نقل بنجاسته. وإن قلنا: إنه بعض أجزائه (1) الخمر الكثيفة والجواهر الغليظة المعتصرة من الأعناب وإنه أحد أجزاء الخمر التي غلت ونشت، والاستحالة لا تنقله عن حكم النجاسة، قضين ابن جاسته ونظرنا في تصور الحاجة إلى إجازة بيعه. فإن تصور في ذلك ما تصور في بيع الرجيع والأزبال، جرى الأمر فيه على ما قدمناه فيها.

وقد اختلف عندنا في عرق السكران، هل هو نجس أو طاهر؟ فقيل بطهارته, لأنا، وإن قدرناه دفعته القوة الطبيعية من أجزاء الخمر المشروبة، فما دفعته إلى صحن الجسم إلا وقد استحال وتبدلت صفاته لما كان خمرا.

والجواب عن السؤال الثامن أن يقال: اختلف المذهب في جواز بيع الكلب المباح اقتناؤه على قولين. وسبب هذا الاختلاف فيما مضى التنبيه عليه لما ذكرنا كون جواز البيع متعلقا بجواز الانتفاع. فالكلب الذي لا ينتفع به منفعة مأذونا فيها لا يجوز بيعه، لما قدمناه من كون إجازة بيعه إجازة لأكل المال بالباطل. والذي أذن في الانتفاع به قد تقرر من جملة منافعه أكله. وأكله منهي عنه لأنه داخل في ظاهر قوله: أكل كل ذي ناب من السباع (2). ومن منافعه المباحة الاصطياد به وحراسته الزرع والضرع. وأما حراسة الديار وما فيها من الأموال، فإن ذلك مما اختلف الناس فيه. فمنهم من ذهب إلى إباحة ذلك قياسا على حراسته الزرع والضرع. ومنهم من منع ذلك لأنه عليه السلام قال: "لا تدخل الملائكة بيتا فيه كلب" (3). فحصر هذا الذم بالبيوت التي فيها الكلاب.

والزرع والضرع إنما يكون غالبا في الفيافي والقفار الغير مسكونة، فلا يصح قياس حراسة البيوت على حراسة الزرع والضرع لما ذكرناه. على أنه يمكن أن

يقال: إن الغنم المحروسة بالكلاب في الفيافي والقفار ربما باتت في المداين في ديار أربابها. وإذن الشرع في اتخاذ الكلب لحراسة الزرع وقع مطلقا لم يفرق فيه بين نهار ولا ليل ولا مكان. وقد رأيت بعض أصحابنا البغداديين يحتج للقول بالمنع من اتخاذ الكلب حارسا للديار بأنه قد يطرق الدار الضيفان والزوار فيروعهم وقد يؤذيهم. وأيضا فإنه لا يباح تسليط الكلب عليه ولا يعلم مبلغ أذاه له وقد يؤدي إلى تلاف (1). ورأيت في بعض التعاليق عن أشياخ القرويين تنازعا فيه. وقد اختلف الناس أيضا فيما أبيح اتخاذه لصيد أو لحراسة ضرع أو زرع، هل من شرط الإباحة حصول الزرع والضرع أو إمكان الاصطياد والعزم عليه، أو يجوز ذلك وإن لم يكن عند، متخذه زرع ولا ضرع ولكنه إنما اقتناه لأجل كونه قد يكسب ذلك ويحتاج إليه؟ فإذا تقرر ما يجوز من الانتفاع بالكلب وما لا يجوز، وكانت منافعه منها مقصود محرم ومنها مقصود محلل، وجب المنع من البيع، لأجل ما قدمناه فيما سلف. ولا يلزم إذا ألزم قاتله القيمة أن يجوز البيع، لأن البيع معاوضة عن جملة منافع منها محلل ومحرم، ومقدار ما ينوب كل واحد من الثمن لا يتميز، والتقويم إنما يكون مبنيا على ما يقابل ما أتلف عليه مما يصح له ملكه والانتفاع به. وإلزام القيمة وهي مجهولة قبل النظر فيها لا أصل له في المنع كما يلزم من أتلف ثوبا قيمته، وبعد إلزامه ذلك ينظر في مقدارها.

شرح التلقين · الجزء ٢ · الصفحة ١٨٥

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

شرح التلقينج ٢ · ص ١٨٥