وتقييد هذا القول في رواية أخرى بقوله: ألا أخذوه فدبغوه وانتفعوا به. لكن إذا قلنا ها هنا إنه نجس قبل الدباغ وأنه يطهر بالدباغ، فهل يباع قبل الدباغ لكونه يمكن فيه كون فعل ما يصيره طاهرا، كما قلنا في الزيت النجس؟ أو لا يسوغ ذلك لما أشرنا إليه من الفرق بين بيع الخمر قبل أن يخلل وبين بيع الزيت النجس؟ فإذا قلنا: إن الدباغ يصيره طاهرا، ونجاسته ليست راجعة لعينه لكن أجزاء تخللت الجلد تذهب بالدباغ، فإن هذا يوجب إلحاقه بالزيت النجس.
وقد أشرنا في كتاب المعلم وغيره إلى علة كون الدباغ يصيره طاهرا لكونه حافظا له من الفساد كما تحفظ الحياة من الفساد. وأما عظام الميتة، فإنه قد اختلف في الإدهان بدهن وضع في أنياب الفيل، على أن الناب من الفيل ليس كالعظام الباطنة، وإنما هو كقرن مقلوب، واختلف في قرون الميتة وأظلافها، فقيل: إن ذلك نجس. وقيل: أما ما قطع منها وهي حية وكان لا يؤلمها، فإنه طاهر، سواء أخذ في حياتها أو مماتها. وعلى هذا يجري حكم الأظفار. وقد أوعبنا الكلام على عظام الميتة فيما تقدم من هذا الكتاب في موضعه الذي يليق به.
وقد ذكر في المدونة من كتاب البيوع الفاسدة أنه لا يوقد عظم الميتة تحت قدر فيها ما يستعمل لوضوء أو عجين. وقال بعض الأشياخ: إن ذلك إذا فعل لا
يوجب نجاسة الماء الذي سخن بها ولا نجاسة الطعام الذي طبخت به، إذا لم يوضع الطعام على عظام الميتة وضعا (1) وقدت العظام فتصاعد دخانها.
ورأى بعض أشياخي أن هذا الدخان إذا انعكس إلى الطعام أو الماء نجسه. وهذا الاختلاف من هؤلاء المتأخرين يلتفت فيه إلى النظر في استحالة أعيان الجواهر النجسة حتى ينتقل اسمها وهيئتها، هل يرفع حكم النجاسة أم لا؟ وهذا أيضا بسطناه في موضعه. وقد قال في المدونة في كتاب البيوع الفاسدة أيضا: إذا أوقدت عظام الميتة على الجير والقدور، فإنه لا بأس (2) بذلك. فقال بعض: إنما مراده أن ذلك لا يكون نجسا، ولم يرد إباحة هذا الفعل ابتداء, لأن نقل الميتة وحيازتها على جهة التملك لها منهي عنه. كما قال ابن المواز: إن عظام الميتة يجوز أن ينقل الرجل كلابه إليها لتأكل منها, ولا ينقل الميتة إلى كلابه.
ورأى أن نقل الميتة إلى كلابه حيازة للميتة على جهة التملك. فكذا ينبغي أن ينهى هذا عن نقل هذه العظام ليوقد بها على جير أو قدور. وبعض أشياخي يحمل ذلك على ظاهره وأنه يقتضي جواز الفعل. وقد اختلف الشيخ أبو الحسن بن القابسي والشيخ أبو القاسم بن شبلون في قدر طبخت بعظام ميتة.
فقال الشيخ أبو الحسن: لا يطهرها الغسل بالماء، وإذا لم يطهرها ذلك، فإنها لا يطبخ فيها. وقال أبو القاسم بن شبلون: بل تطهير بالماء إذا غسلت كما ينبغي. واستشهد بجواز أكل ما يطبخ في قدور المجوس إذا غسلت وهم يطبخون فيها الميتة. وانفصل عن هذا بأن قدور المجوس إنما نجست لأجل ما يطبخ فيها من ميتة، فكذلك تطهير بالماء المطبوخ فيها. والقدور التي أوقد على طبخها عظام الميتة نجست نجاسة باطنة لا يزيلها الماء. وقد ذكر الطحاوي في كتاب مسائل الخلاف له عن مالك أنه رأى أن ما طبخ بعظام الميتة من الطين حتى صار قدرا لا يطهر بالماء.
والجواب عن السؤال الخامس أن يقال: ذكر في المدونة ابن القاسم أنه لم
يسمع من مالك في جواز بيع الزبل شيئا، ولكنه سمع منه أنه كره بيع العذرة لنجاستها. قال: كذلك ينبغي أن يكره بيع الزبل لنجاسته، وأنا لا أرى ببيعه بأسا. فساوى ابن القاسم في إلزامه مالكا ما بين حكم العذرة والزبل، فمقتضى هذا جواز بيعها عنده، والنهي عنه على رأي مالك. وقد قيل في الزبل: المشتري أعذر فيه من البائع، وأما العذرة فلا خير فيها. وقيل أيضا: إن المشتري العذرة أعذر من البائع. وقال ابن عبد الحكم: لم يعذر الله سبحانه واحدا منهما وهما سيان في الإثم. وقد قدمنا لك ما تعلم منه سبب هذا الاختلاف. لكن عرض في هذا ضرورة، وهي حاجة الناس للتسميد لبقولهم لأنها محتاجة إلى التسميد بالعذرة أو روث الدواب. وهذه الضرورة تبيح المحظور وتنقل الأحكام.