فإذا تحققت حكم الانتفاع في الأكل وفي الاستصباح، فإنا إن منعنا الاستصباح به منعنا أكله. وذهابنا إلى أنه لا يطهر بالماء اقتضى هذا منع بيعه لكون جملة منافعه المقصودة ممنوع استباحتها, ولا يرجى ذلك منها. وإن قلنا:
إن الاستصباح به مباح وهو على حالته، فإن البيع أيضا لا يجوز لكون منفعة مقصودة فيه محرمة وهي الأكل. وقد تقدم بيان علة المنع من هذا الوجه. وإن قلنا مع هذا: إن تطهيره بالماء يميز منه أجزاء النجاسة حتى يعود طاهرا يجوز الانتفاع به أكلا واستصباحا، حسن أن يقال على هذا: إن بيعه جائز كما يجوز بيع الثوب النجس، وإن كان لا يصلى به، لما أمكن زوال السبب المانع من الصلاة به بإزالته نجاسته بالتطهير. وقد يعترض على هذا بأن الخمر لا يجوز بيعها، وإن قلنا: إنها إذا تخللت جاز شربها, لما أشرنا إليه من كون الخمر جميع أجزائها نجسة العين، فتكون المعاوضة عليها معاوضة عما جميعه نجس حرام، والمعاوضة على الزيت النجس معاوضة عما أكثر أجزائه حلال، ويمكن تمييز الأجزاء النجسة منه من غير تغيير أعيان، بخلاف الخمر التي جميع أجزائها نجسة، والتحليل إنما يكون بالتخليل وهو أيضا لا يباح ابتداء، ولكنه إن فعل، جاز شربها على أحد القولين.
وعلى هذا الأسلوب يجري الانتفاع بالماء الذي غلبت عليه النجاسة، فإن
شربه ممنوع، والانتفاع به جائز على أحد القولين. فأجاز في المدونة أن يعلف العسل النجس للنحل. وأجاز أيضا ما في جباب انطابلس (1) إذا سقطت فيه دابة، أن يسقي المواشي. ولكنه لم يذكر كون نجاسة هذه الدابة غلبت على الماء. وقيل: لا يطعم ما عجن به لداجن ولا لكافر، وأجراه مجرى الميتة.
وقيل: يقصر هذا المنع على تغذية حيوان يؤكل لحمه دون ما لا يؤكل لحمه، لكون ما يؤكل لحمه قد يستباح بالتذكية فيؤكل وقد خالط لحمه شيء من الأجزاء النجسة، بخلاف سقي الشجر به والزرع، لكون هذه الأجزاء النجسة استحالت، وكأنها انعدمت في الزرع والشجر إذا صار الزرع حبا وأثمر الشجر.
وأنت إذا أجريت هذه الروايات على أسلوب واحد، علمت أن الانتفاع بالنجس مختلف فيه في المذهب على قولين. وقد (2) أشار إلى التفرقة بين الحيوان المأكول وما لا يؤكل، فإنما ذلك لمعنى آخر وهو كون تغذية ما يؤكل لحمه بذلك يقتضي إباحة أكل النجس أو شربه. وقد وقع في الحديث الذي تقدم ذكره أنه عليه السلام لما قيل له في شحوم الميتة: إنها تطلى بها السفن ويستصبح بها الناس، فقال: "لا، هو حرام". وقد ذكرنا في كتابنا المعلم ما المراد بقوله: "لا، هو حرام" هل هو البيع، الذي ذكره في صدر الحديث، وما اعتذر له به من الحاجة إلى استعماله مباح (3)، ولكنه ليس بعذر في جواز البيع؟ أو المراد بقوله: لا، هو حرام، الاستصباح بذلك وطلي السفن.
والجواب عن السؤال الرابع أن يقال: أما جلود الميتة، فإن الانتفاع بها قبل الدباغ ممنوع عندنا لكونها نجسة. والنجس لا ينتفع به على حسب ما قدمناه. وأما حكمها إذا دبغت، فإن المذهب على قولين: هل تطهير بالدباغ طهارة كاملة فإن بيعها جائز لإباحة جملة منافعها. وإن قلنا: إنها لا تطهير
بالدباغ طهارة كاملة فإنا لا نجيز بيعها لكون بعض منافعها لا تباح وإن دبغت.
وقد تقدم كون حكم الشيء، مختلفا أحكام منافعه منها محلل ومنها محرم، هل يجوز بيعه أم لا؟ واتقى مالك استعمالها في المائعات دون اليابسات التي يؤمن أن تميع شيئا من أجزاء الجلد. ولكنه لم يحرم هذا، بل أشار إلى إباحة الانتفاع باستعمالها وعاء للجمادات وللمائع، ولكنه استثقل المائع تورعا واحتياطا. وقد تكلمنا على حسب هذا الاختلاف في كتابنا المعلم وعلى جملة مذاهب الناس فيه وما ورد من الأحاديث. وخرجنا ذلك على أصول الفقه وشواهد الأصول. وذكرناه أيضا في شرح التلقين بما يغني عن إعادته ها هنا. ونبهنا على ما وقع من اختلاف الرواة في جلد الشاة التي ماتت، وإباحته أن ينتفع (1) قولا مطلقا.