تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

فلم ينخرم ما أصلناه، ولم يبح البيع والشراء إلا في منتفع به في الدنيا والآخرة.

وأما ما يصح بيعه وتملكه فإنه كل ما يجوز الانتفاع بسائر منافعه المقصودة فيه، كالثوب والدار والدابة، وغير ذلك مما في معناه. فإن ما ذكرنا من ثوب ودابة ودار يصح الانتفاع بسائر منافعه المقصودة منه، فلهذا جاز تملكه وبيعه.

وأما ما اختلف حكم منافعه بأن حل بعضها وحرم بعضها، فإنك تنظر ها هنا، فإن كانت المنفعة المحرمة مقصودة مرادة في نفسها، والمنفعة المباحة مقصودة مرادة في نفسها، فإن هذا القسم يصح تملكه ولا يصح بيعه. أما جواز تملكه وبقائه في اليد، فلأجل حاجة مالكه إلى تلك المباحة فيه. وأما منع بيعه فلأجل أن الثمن المبتذل فيه إنما بذل عن سائر منافعه من غير تخصيص ولا تعيين. وإذا كان الأمر هكذا، فقد صار الثمن مبذولا عن محرم ومحلل، فوجب فسخ العقد وإبطاله كله, لأن الذي يقابل المنفعة المحللة من الثمن مجهول حين العقد، والذي يقابل المنفعة (1) ممنوع فيه البيع والمعاوضة، فبطل الجميع، هذا لكونه ثمنا لمحرم، وهذا لكونه ثمنا مجهولا عوضا عن مباح، ومن اشترى ما يحل تملكه وبيعه بثمن مجهول، فإن ذلك فاسد لا يجوز. وقد مضى هذا فيما تقدم لما تكلمنا على حكم صفته (2) جمعت حلالأوحراما، كبيع قلة خل وقلة خمر بثمن واحد في عقد واحد. لكن قد يقع في هذا الامتزاج إشكال بأن تكون المنفعة المحرمة لا يتضح كونها مقصودة في بعض المتملكات أو المنفعة المباحة. فيفرض ها هنا إشكال: هل هذا المقصود عليه الذي اختلف حكم منافعه يلحق بما حرم سائر منافعه لما كان ما يباح منه يشكل أمره، هل هو غير مقصود في حكم العدم؟ أو يكون هذا الإشك الذي المنفعة المحرمة، فيلحق بما أبيح سائر منافعه (فيلحق) (3) ها هنا اختلاف في المذاهب، أو يزول بهذا عن طبقة التحريم إلى الكراهية؟ فهذا هو السر الذي من انكشف له وأجراه كما ينبغي

في سائر فروع هذا الباب (1) وصح له وجه الاتفاق أو الاختلاف في المذاهب فيها. وقد تكلمنا على هذا في كتابنا المترجم بالمعلم (2).

والجواب عن السؤال الثالث أن يقال: الأصل في منع بيع النجاسات ما تقدم من الحديث المذكور فيه أنه عليه السلام لما نهى عن بيع الميتة قيل له: إنها تطلى بها السفن ويستصبح بها. فقال: "لعن الله اليهود حرمت عليهم الشحوم فباعوها وأكلوا ثمنها" الحديث المشهور. فأشار إلى أن ما منع الانتفاع به منع أخذ ثمنه، لما بسطنا وجه المنع منه فيما تقدم. فمن هذا النوع الزيت الذي ماتت فيه فأرة، فإنه لا يجوز بيعه في المشهور من المذهب. وأجاز بيعه ابن وهب إذا بين. واشترط غيره في جواز بيعه ألا يباع من مسلم. فإذا عرضت هذه المذاهب على ما تقدم بيانه من التعليل، علمت سبب هذا الاختلاف. وأنت قد علمت أن الزيت أحد منافعه أكله، وهي منفعة مقصودة فيه، وفيه منفعة أخرى وهي وقيد ودهن ما يحتاج فيه إلى ترطيبه أو حفظه بالزيت. فأما الأكل فإنه ممنوع منه ما دام نجسا، لا سيما إذا كانت النجاسة ظاهرة فيه. وأما وقيده في غير المساجد التي يحترم (3) أن يوقد فيها النجاسات، فإن المشهور من المذهب جوازه. وقال ابن الماجشون: لا يجوز ذلك، ولو أجزناه لأجزنا الانتفاع بشحم الميتة. فأشار إلى الانتفاع بشحم لا يخالف فيه، ولذلك جعله حجة على من أجاز الاستصباح. بشحم (4) الميتة، والانتفاع به يجوز على مقتضى من أجاز الاستصباح بالزيت النجس. ويمكن عندي ألا يلزم هذا المذهب ما ألزم عليه شيخنا لكون أجزاء شحم الميتة نجسة كلها نجاسة ترجع إلى العين، ولا يمكن تطهيرها. والزيت النجس إنما اجتنب لأن فيه أجزاء يسيرة وهي ما يحل فيه من أجزاء ميتة أو غيرها, ولو تميز هذا النجس من الأجزاء

الظاهرة لحل الأكل والاستصباح، ولكن منع الجميع لعدم التمييز الآن، أو لامتناعه على ظاهر الروايات. وإن كان قد روي عن مالك أنه أجاز استعماله إذا طهر. وبهذا كان يفتي ابن اللباد، ويستشهد بما وقع لابن القاسم (1) في ما سقطت فيه فأرة أن الدهن الأول يستعمل بالماء مرتين أو ثلاثة (1).

شرح التلقين · الجزء ٢ · الصفحة ١٨١

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

شرح التلقينج ٢ · ص ١٨١