هذه أحكام المقاصة مع اختلاف الأجناس والأسباب والآجال، وقد بيناها. وذكر في كتاب الآجال في المدونة مسئلة من أخذ عن دنانير من له دين على رجل سلعة بعينها حاضرة، ثم دخل صاحب السلعة إلى بيته قبل أن يقبضها من له الدين، ثم خرج، أن هذه المفارقة لا توجب فسخ هذه المعاوضة لأجل الافتراق قبل القبض فيما عاوض به عن دين. وذكر في كتاب البيوع الفاسدة في هذا السؤال أن هذا يمنع ويؤثر في هذه المعاوضة. ولكنه لم يذكر في كتاب البيوع الفاسدة أنه أخذ عن الدين سلعة بعينها حاضرة، ولكنه قال: أخذ سلعة.
فأشار يبيح أن ذلك اختلاف قول. ومال قوم من الأشياخ إلى أنه ليس باختلاف قول. واختلف اعتذارهم عن ذلك، فقال بعضهم: إن كانت السلعة حاضرة معينة، فقد صارت في ضمان مشتريها بالدين الذي له وإن لم يقبضها.
وإن لم تكن السلعة حاضرة ولا معينة، فإنها باقية في ضمان من عليه الدين، وبقاء الضمان عليه يتصور فيه معنى فسخ الدين في الدين، لكون الدين الأول مضمونا في ذمته، وكون هذا العرض الذي أخذ مضمونا أيضا. وقدح بعضهم في هذا الاعتذار، وقال: لا يعتبر في مثل هذا الضمان، وإنما يعتبر تأخير القبض لأنه كالتأخير (1) يشبه فسخ الدين في الدين، ألا ترى أن ابن القاسم يمنع أن يؤخذ من دين دار معينة غائبة، وإن كانت الديار إذا بيعت على الصفة وهي
غائبة ضمانها من مشتريها بالعقد، دل هذا على أنه لا وجه لاعتبار الضمان عنده. ولكن العذر عن اختلاف وقع في الكتابين أنه ذكر في أحدهما مقدار التأخير عن القبض وهو دخول البيت والخروج منها، وهذا زمن يسير معفو عنه في مثل هذا. وأطلق الافتراق في الكتاب الآخر، فيحمل على أن القبض وقع فيه تأخير ممنوع منه. وقد كنا ذكرنا أحكام ما يؤخذ عن الدين وفسخ الدين في الدين. وذكرنا هذا في هذا الموضع لذكره ذلك في المدونة.
كتب البيوع الفاسدة
بسم الله الرحمن الرحيم
صلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم تسليما