وطرد ما اعتذر به يقتضي أن يكون القول قول البائع، وإن اختلفا بقرب العقد أو بعده، إذ المسلم فيه لا يختلف كونه غير معين بقرب العقد أو بعده. وهذا واضح. على أن هذا الرجل أشار إلى أن البائع إنما صدق إذا حل الأجل لكون القبض مستحقا إذا حل الأجل. وهكذا المعينات لما كان القبض مستحقا فيها في بياعات النقود جعل استحقاق القبض كالقبض. وهذا يشير إلى اعتذار آخر عما حكيناه من رواية ابن حبيب لكن هذا أيضا ينتقض بقوله في الرواية: إن الأجل إذا طال أو حل فإن القول قول البائع، وإذا طال ولم يحل الأجل فالقبض غير مستحق. وسننبه الآن على وجه التفرقة بين القرب والبعد.
فهذا القول في الاختلاف في المثمونات إذا بيعت نقدا. وأما إذا بيعت نساء فإنها أيضا تجرى على ما قدمناه من الاختلاف في اختلاف المتبايعين في مقدار الثمن. فرواية ابن حبيب أن قبض السلعة فوت يوجب تصديق المشتري في مقدار الثمن، يقتضي أيضا تصديقال في عليه السلم في مقدار ما عليه إذا
قبض رأس مال السلم وإن لم يبن به. وعلى الرواية الأخرى إنما يصدق إذا قبضه وبأن به. وعلى رواية ابن القاسم لا يصدق وإن بأن به حتى يقع الفوت.
فرأى ها هنا أن المسلم إليه إذا قبض رأس مال السلم، وطالت الأيام، فإنه قد حصل لديه انتفاع من تجر به، أو غير ذلك من وجوه الانتفاع، فصار انتفاعه به كالفوت في السلعة المقبوضة؛ لأن السوق إذا ح الذي السلعة المعينة صدق المشتري، لما يقع من الضرر بالفسخ عند التحالف. وكذلك ها هنا إذا أوجبنا التحالف والتفاسخ لحق المسلم ضرر لكون ماله انتفع به زمنا طويلا، ثم رد عليه من غير عوض، والمسلم إنما يعجل النقد ليحصل للمسلم إليه الانتفاع به، ولهذا يبيعه ما عليه من الطعام نسيئة برخص. وقد قدمنا أن هذا المعنى هو العلة في جواز السلم، فوجب اعتبار طول الانتفاع برأس المال (وأن نقد وذلك فوتا) (1). وكان بعض أشياخنا يرى هذا التعليل صحيحالأولكنه يقل (2) الأمر إلى المسلم، فإن شاء أسقط حقه في هذا الضرر، وطلب أن يحكم بينهما بالتحالف والتفاسخ، ويرد إليه رأس ماله بعوإلانتفاع به. وإن شاء لا يسقط حقه في الضرر فيه، وطلب أحكام الفوت، فيصدق البائع ويدفع من العوض ما أقر به.
وهذا ينظر إلى أحد القولين فيمن اشترى سلعة فاطلع فيها على عيب، وقد حدث عنده عيب آخر، أنه بالخيار من أن يأخذ قيمة العيب لأجل ما يناله من ضرر بغرامة قيمة ما حدث عنده، أو يرد ويرد ما نقص. فإذا قال البائع: أنا أرفع عنك غرامة ما نقص فيزول عنك الضرر الموجب لك أخذ قيمة العيب مني. فإنه لا يمكن من أخذ قيمة العيب. وفي قول آخر عندنا أنه يمكن. فأنت تراه في أحد القولين كيف أوجب له خيارا لأجل الضرر، فإذا ارتفع الضرر زال تخييره.
فهذا فيه ملاحظة لهذا الذي اختاره بعض أشياخنا.
ولو كان رأس مال السلم ثوبا وتغير سوقه من غير انتفاع لكان ذلك فوتا يوجب تصديق البائع فيما عليه من السلم. وهكذا لو حال سوق السلعة في بيع
النقد، واختلف في الثمن، لكان ذلك فوتا.
لكن قد يقال ها هنا أيضا: هلا جعلت الخيار لمن عليه الضرر في فوت السلعة! فإن حال سوقهم ابن قص كان من حق البائع أن يقول: إنما أتحمل الضرر بنقص السوق، ولا يلزمني بيع سلعتي بأقل مما أقررت به، فنتحالف ونتفاسخ. وشيخنا هذا لم يطرد مقاله في هذا الذي اعترضنا به وهذا مما ينظر فيه. وأما على رواية أشهب الذي يوجب التحالف والتفاسخ وإن فات المبيع، فإن شيخنا هذا كان يرى أن الأجل إذا حل ووقع الانتفاع برأس المال، فإنهما يحملان على الوسط من سلم الناس في عقدهما، لئلا يظلم المسلم برد رأس المال عليه بعد التحالف، على حسب ما قدمناه عنه. وهذا أيضا مما ينظر فيه على أصل أشهب. وقد قال بعض الأشياخ: لا معنى للتفرقة التي وقعت في المدونة بين قرب زمن العقد أو بعده. وذكرنا عن غيره أن الأجل إذا حل استحق القبض، بخلاف كونه لم يحل. وذكرنا هذه الطريقة الثانية من اعتبار الانتفاع برأس المال وتقدير ذلك فوتا. فعلى هذه الطريقة قد يحسن ما قاله هذا الشيخ من حملها على أصل أشهب على الوسط من سلم الناس في عقدهما. وقد قررنا اختلاف الروايات عن مالك وكون ابن القاسم اختار منها تصديق المشتري مع فوت السلعة في يديه بتغير سوق أو ذات، فيبقى النظر في هذا الفوت لو وقع، والسلعة في يد البائع، هل يكون هذا الفوت في يد البائع يوجب تصديق المشتري أم لا؟ هذا مما أخرجه أصحابنا على اختلاف قول مالك في المحبوسة بالثمن هل ضمانها من البائع أو من المشتري؟ إذ لا غرامة عليه فيما حدث بها فيكون عليه ضرر في إلزامه القيمة فيبقى الحكم على ما هو عليه من التحالف والتفاسخ. ولو كان هذا التغيير (1) بعيب حدث لكان للمشتري الرد به من غير تحالف لكون البائع ضامنا لهذا العيب الحادث في حال احتباسه إياها بالثمن.