وإن فضلت فضلة مما قبض، بعد أن اشتريت له المكيلة التي له في الذمة، كانت تلك الفضلة على قوله للبائع توقف له حتى يرجع إلى تصديق المشتري، فيأخذها أو يتصدق بها.
وقد أشار بعض الشيوخ إلى ما قدمناه من حمل مسألة المدونة على أن الإقالة كانت صحيحة لقوله: تناقضا السلم؛ وأنه قد يمكن أن يكون ذلك في العروض فلا يكون في المسألة تعقب، أو في الطعام فيعتبر يكون الإقالة انعقدت على الصحة، ووقع الجحود بعد ذلك. لكنه بعد هذا أشار إلى أنهما في الإقالة الصحيحة يتحالفان ويتفاسخان. وأشار بعض أشياخي إلى أن التحالف والتفاسخ هو البخاري على أصل ابن القاسم، على حسب ما يراه في اختلاف المتبايعين في الثمن، وأن القول قول البائع، كما ذكر في المدونة على رواية من يرى أن القبض فوت؛ لأن البائع قابض لرأس المال ولما عليه من السلم.
وهذا عندي يستند إلى أن الإقالة كابتداء بيع فيجري فيهما من الخلاف ما قدمناه، أو الإقالة حل بيع فيصدق الغارم، وهذا مما ينظر فيه.
وإذا تقررت أحكام الاختلاف في الثمن فإن الاختلاف في المثمون جار عليه، إذ لا فرق ها هنا بين ثمن ومثمون، بل كل واحد منهما ثمن لصاحبه ومثمونا له، لكن العرف بتسمية الدنانير والدراهم ثمنا، والعروض والمكيلات والموزونات مثمونات. ومع هذه فإن البيع في هذه المثمونات ربما كان نقدأوربما كان نساء.
فأما إذا كان نقدا فمثال إجرائه على ما قدمناه من الاختلاف في التنازع في الثمن أنه لو باع ثيابا معينة من رجل وهي عشرة، فقال البائع: بعتك منها تسعة بمائة دينار، وهذا العاشر باق على ملكي. وقال المشتري: بل اشتريت العشرة كلها بالمائة دينار. فإن الثوب العاشر، الذي لم يقر البائع ببيعه ولا انتقال ملكه عنه، هو مصدق فيه، والمشتري مدع عليه أنه باعه منه. ومن ادعى على رجل أنه باع منه ثوبه فإن القول قول صاحب الثوب: إني لم أبعه، باتفاق. وهذا الحكم لا يتغير في هذا العاشر بكونه مضاف اإلى التسعة أثواب أخر. وأما التسعة أثواب فإنها إذا كانت قائمة في يد البائع، لم يقبضها المشتري، فإنهما يتحالفان ويتفاسخان، لكونهما مختلفين في ثمنها، فالمشتري يقول: إنا نحب أن ندفع في السلعة تسعين دينارا؛ لأني اشتريت عشرة بمائة، فكل ثوب ثمنه عشرة.
والبائع يقول: بل ثمن السلعة مائة دينار. فهما مختلفان في ثمن السلعة فيتحالفان ويتفاسخان. فإن قبض المشتري الثياب ولم يبن بها صدق، على رواية ابن وهب، إن بأن بها صدق على الرواية التي وقعت في كتاب المكاتب.
وإن حال سوقها أو تغيرت في نفسها، على حسب ما بيناه في الرواية المتقدمة.
وأما الثوب العاشر فيرد إلى بائعه، وإن تغير أو حال سوقه، وينظر في أحكام تغييره، ومن غيره، على حسب ما يبين في كتاب الاستحقاق. وهذا الذي مثلنا به الاختلاف في المثمون، وصورناه في اختلافهما في عدد ثياب بيعت جار في سائر العروض والمكيلات والموزونات على حسب ما نص عليه في الموازية وغيرها. لكن ذكر ابن حبيب عن مطرف عن مالك أنه قال، في رجلين تبايعا طعاما، فقال البائع: بعتك ثلاثة أرادب بدينارة وقال المشتري: بل أربعة بدينار، إن البائع لا يؤخذ منه من الطعام بأكثر مما أقر به، فيؤدي في الثلاثة
أرادب ثلاثة أرباع دينار. وهذا اختلاف في المثمون لم يوجب فيه التحالف والتفاسخ مع القيام، وعدم القبض، على ظاهر هذه الرواية. وهذا مذهب من ذكرنا أن فقهاء الأمصار على التحالف والتفاسخ إذا لم تفت السلعة ولا قبضت، إلا أبا ثور فإنه يذهب إلى أن القول قول المشتري وإن كانت السلعة في يد البائع. ودعا بعض المتأخرين شذوذ هذه الرواية إلى أن رأى أن العذر عنها كون الاختلاف بين المتبايعين وقع في مكيل، والمكيل والموزون عنده بخلاف العروض؛ لأنه مما يعرف بعينه. واستند في هذا التأويل إلى قوله في المدونة في اختلاف المتبايعين في السلم، هل وقع السلم في ثمانية أرادب أو في عشرة: إن القول قول البائع إذا حل الأجل؛ مع كون هذا الطعام المسلم فيه لم يقبض، لكنه لما كان مما يعرف بعينه لم يرل القبض. وكذلك عقده لو كان الاختلاف في عروض في الذمة لجرت مجرى المكيل والموزون. ولما كان ما في الذمة لا يتعين وهذا الذي استند إليه غير صحيح لأنه ذكر في المدونة في هذه المسألة أن اختلافهما إذا وقع بقرب العقد أو بعد أيام. يسيرة فإنهما يتحالفان ويتفاسخان.