وقد قال أيضا في الحديث: "من أحدث في ديننا ما ليس منه، فهو رد" (1)، والمردود لا يمضي. وإذا قيل: إن النهي لا يدل على فساد المنهي عنه نظر في المسئلة من جهة أخرى، وهي: هل حصل الإخلال بشرط من شروط صحة البيع وانعقاده أم لا؟ والتفت حينئذ إلى كون هذا الفساد خارجا عن الثمن والمثمون أو مرتبطا بهما. كما ينظر أيضا فيمن باع جارية على أن يتخذها أم ولد، هل يقتضي النهي فساد المنهي عنه فيفسخ البيع، ولو أسقط هذا الشرط الذي هو اتخاذها أم ولد، أو يصح البيع بإسقاط هذا الشرط منفصلا عن الثمن والمثمون، لم يحدث فيهما غررا. واختيار كثير من الأشياخ كون الشرط إذا سقط، لا يصح البيع والسلف وما في معناه من الشروط، لكون العقد وقع على الفساد وهو ثمن واحد لا يتبعض ولا يتعدد. فالفساد إذا دخله أثر في كلية العقد وجملته وسرى ذلك إلى الثمن والمثمون وصيرهما فاسدين في أنفسهما. لأن السلف إذا كان من المشتري، فهو بعض الثمن، وإن كان من البائع فهو بعض المبيع، وفساد بعض الثمن أو بعض المثمون يفسد جميعه.
وقد أشار القاضي إسماعيل إلى إنكار الاحتجاج على صحة البيع إذا أسقط شرط السلف بإسقاط خمر وقع العقد عليه مع ثوب. وقال: إنما يكون وزان مسئلة البيع والسلف أن يكون بائع الثوب شرط على مشتريه أنه إن شاء طلبه مع الثمن الذي اتفقا عليه من الخمر بأمر سمياه، وإن شاء لم يطلبه.
وتنازع المتأخرون في هذا الذي قاله إسماعيل القاضي. ونحن قد نبهناك فيما أشرنا إليه من طرق الاستدل الذي هذه المسئلة في كلامنا على هذا السؤال الثاني والذي قبله ما يعلم منه حقيقة ما قاله إسماعيل القاضي.
والجواب عن السؤال الثالث أن يقال: إذا تقرر أن المشهور من المذهب في البيع والسلف أن إسقاط مشترط السلف لما اشترطه منه يصحح البيع. وقد اختلف أصحاب هذا المذهب فيه إذا قبض السلف، هل يؤثر إسقاطه رفع فسخ البيع أم لا؟ فذكر أصبغ في أصوله عن ابن القاسم أن قبض السلف لا يمنع من تأثير إسقاطه، وأن السلف إذا أسقطه قابضه وأعاده على دافعه، صح البيع، وهذا ظاهر المدونة وذهب ابن حبيب وسحنون إلى أن إسقاط السلف بعد قبضه لا يؤثر (1)، ولا يصح البيع الفاسد لأن الربا قد تم بقبضه والانتفاع به، وإذا حصل وجود المعنى المفسد للبيع، لم يتصور رفع ما قد وجد، بخلاف إسقاط السلف قبل قبضه فإنه لا يرفع ها هنا سوى حكم النطق باشتراطه، ولم يحصل وجود الفعل الممنوع وهو الانتفاع بهذا السلف. وهكذا ظاهر المذهب أنه لا يؤثر إسقاطه إذا وقع هذا الإسقاط بعد أن فاتت السلعة في يد مشتريها, لأنها إذا فاتت في يد مشتريها لزمته قيمتها وصارت القيمة دينا عليه، فإسقاط شرط السلف لا يرجع إلى إمضاء عين المبيع وتصحيحه لما سقط الشرط حتى يصير إسقاط هذا الشرط كإسناد عقد صحيح على عين موجودة قائمة في حق من أسقطه. وإسقاطه بعد ذوات السلعة ووجوب القيمة إنما يرجع إلى زيادة في هذه القيمة أو نقص، وذلك خارج عن تصحيح نفس العقود في الأعيان القائمة. لكن
الشيخ أبا إسحاق أشار إلى إشك الذي صحة إسقاط هذا الشرط بعد فوات فوت المبيع إذا كان السلف لم يقبض وقال: انظر في ذلك. لكن قد وقع في شرح ابن مزين عن ابن نافع فيمن قارض وشرط في القراض شرطا فاسدا، أن إسقاط الشرط إنما يؤثر ويصح القراض بإسقاطه ما لم يقع العمل بالقراض. فإذا وقع (1) عمل العامل بالمال، لم يؤثر إسقاط الشرط. ورأى بعض أشياخي أن هذا يشير إلى أن إسقاط السلف المشترط في البيع لا يؤثر إذا فاتت السلعة وإن كان السلف لم يقبض. وهذا الذي قاله من هذا وتأوله لا وجه له, لأن القراض لا يلزم بالقول المجرد في أحد القولين عندنا. فإذا وقع إسقاط الشرط من مشترطه قبل العمل بالقراض، (صار إسقاطه كاستئناف عقد صحيح في حق نفسه، وبقي الآخر على خياره في حله، ولو كان القراض صحيحا لم يقارنه شرط. فإذا وقع العمل بالقراض) (2)، لم يؤثر إسقاط الشرط لأن إسقاطه وقع بعد فوات المبيع.