تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

فما قيل فيه: إن البيع صحيح والشرط باطل، فإنما ذلك لأن الشرط وإن كان مبنيا عنه، فإنه لم يؤثر في الثمن ولا في المثمون جهالة ولا غررا، ولا فائدة فيه لمشترطه. فكأنه لما لم يتعلق به حق الله تعالى ولا منفعة لمشترطه ظاهرة، أسقط وصح البيع.

وإذا كان الشرط يتضمن غررا في الثمن أو المثمون ومخاطرة، فسد البيع ولو أسقط الشرط. لأن الشرط إذا أسقط، فإنما سقط بهذا الإسقاط حق صاحب الشرط وبقي حق الله سبحانه في نهيه عن الغرر في البيوع. مثل أن يبيع أمة علية بشرط البراءة من حملها، فإن البيع يفسد ولو أسقط هذا الشرط لكون الغرر قد استقر في هذا العقد, لأن الجارية العلية لو تحقق مشتريها أن بها حملا، ما رضي أن يدفع من ثمنها عشر ما دفع، كما أن البائع لو علم براءتها من العمل لم يبعها إلا بأكثر مما باعها به، فإسقاط عيب العمل إن ظهر لا يرفع ما استقر من هذا الغرر الذي حصل في الثمن. وإذا قيل فيمن باع أمة علية بشرط ترك المواضعة إن البيع لا يفسد وتجب المواضعة، فإنه لا يرى أن هذا الشرط يقتضي في الثمن من الغرر ما اقتضاه شرط المتبري من العمل في الجارية الرائعة.

وعلى هذه الأساليب كان شيخنا رحمه الله يجري هذه المسائل التي اختلفت الأجوبة عنها.

وقد أشار الشيخ أبو إسحاق إلى هذه الطريقة في اعتذاره عن كون البيع الذي قارنه السلف يصح إذا أسقط الشرط، بأن الثمن ها هنا والمثمون قد قيل: إنهما سالمان من الغرر، وإنما الفساد في السلف، وهو أمر خارج عنهما.

فكان ذلك بخلاف ما فسد لأجل ما وقع من الغرر في ثمنه أو مثمونه. ولكن تعقب هذا الاعتذار بأن الانتفاع بالسلف هو بعض الثمن، فأشبه من باع سلعة بمائة دينار وعبد آبق، فإن هذا البيع لا يصح، ولو أسقط العبد الآبق، لما كان بعض الثمن، فكذلك السلف هو بعض الثمن. بخلاف لو وقع الثمن إلى موت زيد فرضي المشتري بتعجيله، فإن ذلك لا يصحح البيع لما كان الغرر في نفس الثمن، وهو تعليقه بأجل مجهول، ووقع العقد على غرر. فهذا التشبيه للسلف بالعبد الآبق ليس بالواضح. والعبد الآبق إذا قارن الثمن الذي هو الدنانير، فإن الدنانير حصل فيها تخاطر بين المتبايعين, لأن الآبق لو تحقق باذله سلامته، لم يرض بتلك الدنانير بل بأكثر منها. ولو تحقق عطبه، لم يبذل باذل الدنانير إلا أقل مما بذل. فإسقاط الآبق محا عينه ولم يمح أثره الذي في الدنانير. والانتفاع بالسلف وإن كان ممنوحا، فإنه لم يؤثر غررا في الثمن الذي قارنه. فإذا أسقط، بقي الثمن سالما من الغرر. لكن لو كان عوض الآبق خمرا، لكان إسقاطه لا يبقي غررا في الدنانير التي هي بعض الثمن. لكن هذا يلتفت فيه إلى ما كنا قدمنا الكلام عليه من حكم صفقة جمعت حراما وحلالا، وقد بسطناه هنالك، وهو مما يصرف في هذه المسئلة. وقد قيل في المذهب فيمن تزوج بمائة دينار وعبد آبق: إن الآبق إذا أسقط صح النكاح. فأنت ترى كيف أجرى صاحب هذا المذهب الآبق مجرى السلف المقارن للبياعات، ولكنه إنما ذكر ذلك في النكاحات، والنكاح يسامح في عقده من الغرر بما لا يسامح به في البيوع.

فإذا تقرر هذا، فاعلم أن المذهب على قولين في البيع إذا قارنه سلف،

هل يصح البيع إذا أسقط السلف أم لا؟ والأشهر من المذهب أن البيع يصح إذا أسقط السلف. وقيل: بل يفسخ البيع ولو أسقط السلف، وإليه ذهب محمد بن عبد الحكم. وذكر الأبهري أن بعض المدنيين رواه عن مالك قال: وهو القياس. وقد أشرنا إلى سبب هذا الاختلاف وأن المذهب المشهور بني على أن الفساد في غير الثمن والمثمون. فإذا أزيل الفساد وبقي الثمن والمثمون سالمين من مقارنته، صح العقد. وإن المذهب الآخر بني على القياس على أكثر البياعات الفاسدة وأن الفساد في البيع والسلف قد يتصور في الثمن، على حسب ما ذكرناه وذكرنا ما قيل فيه. وهذه المسئلة قد تتعلق باختلاف أهل الأصول في النهي، هل يدل على فساد المنهي عنه أم لا؟ وقد ذكرنا أن النبي عليه السلام نهى عن البيع والسلف كما قدمناه، والنهي يدل على فساد المنهي عنه ورده.

شرح التلقين · الجزء ٢ · الصفحة ١٦٣

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

شرح التلقينج ٢ · ص ١٦٣