والثاني: أن يختلفا في الثمن فيتحالفان ويتفاسخان، ويدعي المشتري على البائع أنه دفع إليه أكثر مما أقر به البائع، فيصدق البائع ها هنا أيضا، لكون المشتري يدعي دينا عليه وهو ينكره.
والوجه الثالث: أن يتقايلا في بيع صحيح، ويختلفا في الثمن، فها هنا قال في المدونة: إذا تناقضا السلم واختلفا في رأس المال، فالقول قول البائع.
وهذه مسألة تنازع الأشياخ في تأويلها، فقال بعضهم: محمل هذا الذي ذكر في المدونة على أنهما تناقضا البيع لكونه منقوضا في الشرع لأجل فساده، فيكون القول قول البائع، لما قدمناه في القسم الأول، ولا يكون في المسألة تعقب؛ لأن العقد منتقض ورد ما نقض واجب، والقول قول غارمه.
وأشار بعضهم إلى أن قوله: تناقضا السلم؛ ظاهره أنها إقالة وقعت باختيارهما؛ لأن قوله: تفاعلا، يقتضي أن كل واحد مثهما دخل في العقد كما دخل فيه الآخر باختياره، كما يقال: تضاربا وتقاتلا. لكن حمل المسألة على أنها إقالة يكون قوله: تناقضا السلم، يشير إلى كونها إقالة تتعقب، لقول سحنون: إذا أسلم إليه في طعام فتقايلا واختلفا في رأس المال أن الإقالة منفسخة. وقال بعض الأشياخ إنما ذكر سحنون كونها منفسخة لأجل النزاع في الثمن الذي وقع به العقد (1) بحكم التقايل بل رده يفتقر فيه إلى خصام وترافع إلى الأحكام (2)، ومن شرط الإقالة في السلم أن يتناجزا في رأس المال، ولا يجوز تأخيره ولا تأجيله لئلا يقع في فسخ دين في دين، وهذا التعليل الذي عللوا به ما قاله سحنون إنما يطرد حيث لا يحضر الخصمين الحكام؛ فلو صورت المسألة في مختلفين في رأس المال وقد تقايلا، والحاكم حاضر يقضي بينهما في الحال من غير تأخير، لبطل هذا التعليل، ومن حق التعليل أن يكون متصورا في سائر فروع المسألة وأحوالها. فإذا وضح ارتفاع هذه العلة حيث يحضر الحكام لا سيما أن التأخير ها هنا بغلبة أحدهما وجحوده الحق، فيصير الآخر مغلوبا
على ترك التناجز. وسنذكر الغلبة على المناجزة في الصرف في موضعه إن شاء الله.
تطلبنا النظر في وجه آخر قد تعقب به المسألة. وذلك أن الإقالة في الطعام على أقل من رأس المال لا تجوز لكونها بيع الطعام قبل قبضه، والشرع إنما رخص في الإقالة لكون الثمن إذا رد على ما هو عليه صار ذلك حلا للعقد الأول، فإذا رد أقل من ذلك أو أكثر، صار ذلك ابتداء بيع الطعام قبل قبضه، فلم يجز ذلك. فيقتضي هذا كون الإقالة فاسدة على مقتضى دعوى المشتري؛ لأنه يقول: أسلمت عشرة دنانير في طعام، ثم أقلت منه، ومن شرط إقالتي وجوازها كوني لا آخذ أقل من رأس المال، (فإذن قضيتم علي بإمضاء الفساد وإتمام ما لا يجوز على مقتضى قولي) (1).
وهذا التعقب دعا بعض الأشياخ إلى أن قال: يمكن أن يكون ما وقع في المدونة المراد به أن السلم وقع في عروض، والعروض يجوز بيعها قبل قبضها، والإقالة على أقل من رأس المال. فلهذا لم يشر في المدونة إلى تعقب المسألة من جهة دعوى المشتري، ويتضمن دعواه كون فعلهما فاسدا. ويشير أيضا إلى أن الإقالة وقعت على الصحة والجواز، وإنما تعاقدا على لأرأس المال لا أكثر ولا أقل. فبعد فردت (2) الإقالة الصحيحة جحد البائع بعض الثمن فلا يؤثر ذلك في صحة الإقالة. وهذا قد يجاب عنه بأن الإقالة ها هنا يعتبر مع صحة عقدها صحة التقابض فيهلالما قدمناه من منع تأخير رد رأس المال وإن لم يشترط في أصل الإقالة تأخيره. وإذا كان القبض فيها معتبرا والعقد موقوفا على صحته اقتضى ذلك تعقب هذه الإقالة من جهة دعوى المشتري، لكونها تتضمن أن كونه فاسدا لا يجوز العقد عليه، لكن لا يجب تصديقه في الفساد مع دعوى البائع
صحة الإقالة، إذ المختلفان في صحة العقد وفساده لا يصدق مدعي الحرام ويكذب مدعي الحلال، على ما سيرد بيانه. وإذا لم يجب تصديق المشتري على البائع وجب أخذ كل واحد منهما بمقتضى قوله، فيترك البائع وما هو عليه لكونه لم يقر على نفسه بفساد. ويقال للمشتري: أنت أقررت على نفسك بفساد الإقالة، وإذا فسدت وجب ردكما إلى انعقاد السلم على ما كان عليه، فيوقف المقبوض من الثمن حتى يحل الأجل فيشتري له مثل ماله في ذمة البائع من السلم، فإن وفى فلا مطالبة له ولا عليه، وإن قصر ما قبض على ثمن ما له في الذمة من السلم، كان ذلك جائحة عليه لكونه لا يصدق على البائع لما قدمناه.