تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وأما إذا فاتت فإنما يرد المشتري القيمة، وليست القيمة هي عين السلعة، فينطلق

عليها حقيقة قوله "ويترادان". فهذا طريقة من منع من التحالف مع الفوت. لكن ما قيل عندنا: إن قبض المشتري يوجب تصديقه وإن لم ينصرف بالسلعة، إنما صار إلى ذلك من قال به، لأجل أنه ترجحت عنده جهة المشتري بالقبض؛ لأنها لو هلكت في يديه بعد قبضها لضمنها، وضمانه إياها يوجب قوة جهته في هذا الاختلاف. كما قيل: إن من باع سلعة من واحد ثم من آخر، أن الآخر أحق بها إذا قبضهلالأجل ضمانه لها أيضا، فإن تسليمها للمشتري كالائتمان له على الثمن، لكن القول الآخر أنه إنما يصدق إذا بأن بها، قدر حقيقة الائتمان في الثمن إنما يتصور إذا ترك البائع المشتري ينصرف بها، ثم يطلبه بالثمن، ولعل اشتراط الانصراف بها التفات لقول من قال: المتبايعان بالخيار ما لم يفترقا.

فكأن البيع لم ينعقد إلا بالافتراق.

وأما من ذهب إلى تصديق من ادعى ما يشبه مع قيام السلعة، وهو مذهب مطرف وابن الماجشون واختاره أصبغ، وحكى ابن المواز عن أشهب في اختلافهما في المقدار والجنس: أنه إن عرف صدق أحدهما وكذب الآخر كان القول قول من عرف صدقه. وهذا موافقة لما حكيناه عن هؤلاء، وهو الذي يسبق إلى النفس عند اعتبار أصخول المذهب؛ لأن المذهب مبني على تصديق من شهد بصدقه العرف والعاهة (1)، كما قالوا في اختلاف الزوجين في متاع البيت: إن ما يعرف بالرجال دون النساء يكون للرجل، وما يعرف للنساء دون الرجال يكون للمرأة. واستدل على ملك الحائط الفاصل بين دارين بما تدل عليه العوائد من شواهد القمط وغيره (2)؛ فكذلك إذا اختلفا في الثمن يجب أن يصدق من ادعى الثمن الذي الغالب التبايع به، دون من ادعى ما لا يتبايع به غالبا في تلك السلعة. ومن خالف هذا المذهب من أصحابنا يرى أن العوائد إنما تجعل أدلة على التصديق عند التنازع إذا لم يترجح أحد المتنازعين على صاحبه بدلالة ينفرد بها؛ والبائع ها هنا قد ترجح جانبه، فإن ملك السلعة سابق له وهو يدعى عليه أنه انتقل عنه بثمن

ينكر البيع به، فصار دلالة سبق ملكه وحيازته أرجح من دلالة العرف، لا سيما إن ثبت الحديث بإيجاب التحالف عند التنازع، على حسب ما قدمناه عند ذكرنا الأحاديث. فإنه إن ثبت لم يعدل عنه، ولم يرد شواهد أصول قد أرسي وجة القدح في التعلق بها. وبعض أشياخنا يشير إلى أن هذا الاختلاف في تصديق من ادعى ما يشبه إنما يتصور إذا كانت دعوى من ادعى ما يشبه مما يمكن، لكن الغالب خلافها. وأما إذا كانت من الوضوح في الاستبعاد تكاد تلحق بالمحال، فإنه لا يختلف ها هنا أن من ادعى ما لا يمكن، لا يصدق، بل يصدق صاحبه، كمن زعم أنه اشترى سلعة قيمتها ألف دينار بدينار، وهو والبائع عارفان بالقيمة، فإن هذا يكاد يلحق بما لا يمكن، بل يلحق بمن أقر بالبيع والشراء وكتم الثمن، فإنه يصدق من ادعى معرفة الثمن، ويختلف في استحلافه. وقد أشار بعض الشيوخ إلى أن الذي تقرر من الروايات عن مالك ثلاث روايات:

1) تصديق المشتري إذا قبض السلعة وبأن بها. وأن هذه رواية ابن وهب.

2) وتصديقه إذا فاتت بحوالة سوق أو تغير بدن ..

3) والتحالف وإن فاتت.

وهذه الثلاث روايات رواها اين القاسم بن مالك. وغيره يشير إلى أنها أربع روايات، وأن ابن وهب روى عنه: أن المشتري إذا قبضها صدق.

فهذا ضبط الخلاف والكشف عن الطرق التي من أجلها وقع الخلاف. وإذا وضح لك الحكم في الاختلاف في مقدار الثمن المقصود منه النزاع فيما يجب على المشتري فلنذكر الاختلاف في الثمن المقصود منه ما يجب على البائع رده. وذلك يكون بثلاثة وجوه:

أحدها أن يكون بفساد عقدهما ورد الثمن المقبوض، فيقول البائع: إنما كان الثمن ثمانية دنانير وهي التي قبضت. ويقول المشتري: بل عشرة، وهي التي دفعت إليك. فها هنا يصدق البائع لأن العقد منحل، فصار محصول هذا التنازع أن المشتري يدعي على البائع دينا يستحق أخذه منه، والبائع ينكر ذلك، والمنكر هو المصدق مع يمينه.

شرح التلقين · الجزء ٢ · الصفحة ١٤

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

شرح التلقينج ٢ · ص ١٤