تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

واعلم أن مدار هذه المسئلة والتي قبلها على النظر في الباب حماية لهذه الحماية التي بني عليها مسائل هذا الكتاب. فمن رأى أن الأصل تحليل كل بيع لقوله تعالى: ﴿وأحل الله البيع وحرم الربا﴾ (1)، فإذا ضعفت التهمة أو أشكلت أبقيت المسئلة على هذا الأصل الشرعي، قال بالجواز في مثل هذه المعاني.

ومن بالغ في الاحتياط وجعل للحماية حماية بني هذا الأصل على محاذرته.

والجواب عن السؤال الخامس أن يقال: قد تقرر ما يمنع من بياعات الآجال إذا وقعت بالعين، ثم اشترى البائع ما باعه بأقل أو أكثر على ما اقتضاه التفصيل الذي قدمناه. فإن وقع هذا الممنوع، فإنه يجب فيه الفسخ، وهاهنا بيعتان واحدة بعد أخرى. فأما البيعة الأخيرة، فإنها تفسخ إذا كانت السلعة قائمة لم تفت من غير خلاف منصوص في المذهب. لكن بعض أشياخي أشار إلى أن ابن عبدوس لا يوجب الفسخ ورد السلعة من يد مشتريها الأخير الذي كان هو البائع الأول.

والذي كان ينقله غيره عن هذا المذهب الذي حكاه ابن عبدوس عن غيره أنه إنما منع من رد السلعة من يد قابضها وهو المشتري الأخير بشرط أن تفوت.

وأما إذا فاتت السلعة في يد مشتريها الأخير الذي هو البائع الأول فإن المعروف من المذهب فسخ البيعة الثانية، إلا ابن مسلمة فإنه أمضاها على ما هي عليه، ورأى أن الفسخ احتياطا (1) مخافة أن يكونا أبطنا فسادا خلاف ما أظهراه من الصحة. والتهمة في هذا لا تجري مجرى اليقين. وقد ذهب إلى جواز البياعات التي منعناها. فحسن عند ابن مسلمة الفسخ إذا كانت السلعة قائمة بعينها احتياطا. فإذا فاتت مضت هذه البيعة مراعاة للخلاف في أصل جوازها ولما يقتضيه الفسخ من غرامة قيمة، فيلحق الضرر لأجل غرامة هذه القيمة.

وأما البيعة الأولى، فالمعروف من المذهب فسخها أيضا مع الثانية إذا فاتت السلعة، وقد قال ابن الماجشون: تفسخ البيعتان سواء كانت السلعة قائمة أو فائتة. وقال ابن القاسم: تفسخ البيعة الثانية خاصة إلا أن تفوت السلعة فتفسخ البيعتان. وذكر ابن أبي زمنين في هذا تفصيلا فاعتبر القيمة الواجبة على البائع الأول الذي قبض السلعة في البيعة الثانية، فإن كانت قيمتها الواجبة عليه أقل من الثمن المؤصل، فسخت البيعتان جميعا، لأنا إنما منعنا هذه البياعات

لما تضمنته من التهمة على سلف بزيادة. فإذا كان هذا المشتري الأخير وهو البائع الأول تلزمه قيمة السلعة، وهي خمسة دراهم، وقد باعها بعشرة دراهم إلى أجل عدنا إلى الوقوع فيما منه هربنا، وألزمناه أن يدفع الآن خمسة دراهم ينقدها وهي قيمة السلعة التي فاتت عنده ويأخذ من صاحبه عشرة دراهم إلى أجل، وهذه صورة السلف بزيادة. فإذا كان الفسخ يختص بالبيعة الثانية وهو يتضمن دفع قليل في كثير، على حسب ما صورناه، وجب أن يعدل عن هذا إلى فسخ البيعتين جميعا.

فإذا كانت القيمة الواجبة على قابض السلعة، وهو المشتري الأخير، عشرين درهما، وجب أن يختص الفسخ بالبيعة الثانية فترد السلعة من يد هذا الذي قبضها آخرا. فإذا لم يقدر على ردها لفواتها ووجب رد قيمتها وكانت قيمتها عشرين درهما، غرمنا قابضها الذي هو المشتري الآخر عشرين درهما عوض عينها، ويحاسبه المشتري الأول من هذه العشرين درهما بالخمسة دراهم التي قبض منه ثمن السلعة التي ردها إليه.

فتلخص من هذا أن المذهب مع قيام السلعة لم يختلف في فسخ البيعة الأخيرة إلا على طريقة ما حكيناه عن بعض أشياخنا. ومع الفوات تفسخ البيعة الأخيرة إلا على مذهب ابن مسلمة. وأما الأولى فثلاثة أقوال:

1 - الفسخ على الإطلاق،

2 - والإمضاء على الإطلاق،

3 - والتفصيل الذي حكيناه. فإن تضمن اختصاص الفسخ بالبيعة الثانية دفع قليل في كثير سرى الفسخ إلى الأول، وإن لم يتضمن ذلك اختص الفسخ بالثانية، على ما حكيناه عن ابن أبي زمنين.

شرح التلقين · الجزء ٢ · الصفحة ١٤١

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

شرح التلقينج ٢ · ص ١٤١