والجواب عن السؤال الثالث أن يقال: قد قدمنا أن المعتبر في مسائل هذا الكتاب قوة التهمة على التحيل على ما لا يحل، وقد علم أن الصرف المستأخر محرم. فإذا باع منه ثوبا بمائة درهم إلى أجل، ثم اشتراه البائع بدنانير نقدا، فإن الثوب لما بيع ثم رد بعد البيع صار كالمطرح الملغى، وصار محصول أمرهما على ما قدمناه مرارا: أن بائع الثوب الأول قد رجع إليه ثوبه وأخرج دنانير نقدا ليأخذ عوضها دراهم إلى أجل، وهما لو صرحا بأنهما إنما تعاقدا على ذلك لم يجز، فكذلك إذا لم يصرحا ولكنهما اتهما أن يكونا أرادا ذلك، فإنهما يمنعان
منه. لكن لا يخلو أن تكون الدنانير المنقودة أكثر من قيمة الدراهم المؤجلة بأمر بين للتفاوت، مثل أن يشتري الثوب بمائة دينار وقد باعه بمائة درهم، فإن هذا يتضح فيه ضعف التهمة؛ لأن دافع الدنانير يخسر خسارة بينة، وينضاف إلى ذلك التأجيل فيما يخسر فيه خسارة بينة بمثل هذا، غير أن ابن القاسم [أجاز] (1)، إذا علم من ناحية القيمة التي تصورناها أو ما في معناها مما هو دونها مما يرفع التهمة: أن دافع الدنانير لا يمكن أن يكون قصد المتاجرة في الصرف المستأخر.
ومنع ذلك أشهب مبالغة في الاحتياط، ولأنه قد يكون لدافع الدنانير في هذا أغراض خفية قصد بها المتاجرة والمكايسة في الصرف المستأخر، كحماية الحماية. وكما تجعل للحرام حماية يحيى بها جانبه فيجب أن يبالغ في هذه الحماية وتحمى أيضا حتى لا يسري الأمر إلى هتك حرمة الحرام، فيقول قائل: هذا لا تهمة فيه، ويقول آخر: هذا فيه التهمة. ويتخرج على قول آخر ستراه في السؤال الذي هو جواز هذا وإن (2) كانت الدنانير مثل قيمة الدراهم وتحققنا أن الدافع الدنانير لم يربح بل خسر الصبر والتأجيل.
والجواب عن السؤال الرابع أن يقال: قد علم أن المبادلة سكة بسكة منها ما يجوز ومنها ما يمنع، على ما تقدم بيان ذلك في كتاب الصرف لما تكلمنا على أحكام أخذ السكك بعضها عن بعض وأحكام المراطلة، فإذا باع منه ثوبا بمائة دينار إلى أجل، وكانت الدنانير بسكة، ثم أراد أن يشتري هذا الثوب ممن باعه منه بدنانير هي مثل مقدار الدنانير الأولى لكنها من سكة أخرى، فإنه قد اختلف في هذا عندنا: فقال في المدونة، فيمن باع ثوبا بمائة درهم محمدية إلى أجل ثم اشتراه بمائة درهم يزيدية إلى الأجل بعينه: إن ذلك لا يجوز. واختلفت طريقة الأشياخ في علة المنع، هل هي كون الذمتين مشغولتين بسكتين مختلفتين فيمنع ذلك؛ لأنه باع ذهبا نسيئة بذهب مخالف له نسيئة، والتبايع بذهبين مختلفين نسيئة لا يحل. فعلى طريقة هؤلاء يمنع ذلك ولو كانت السكة التي
اشترى بها البائع الأول هي خيرا من السكة التي باع ثوبه بها لما تصور في ذلك من بيع بذهب آخر مخالف له إلى أجل. فيمنع هؤلاء المسألة سواء كان بيع هذا الثوب بمحمدية إلى أجل ثم اشتراه بيزيدية إلى أجل، وإن كانت اليزيدية أدنى من ناحية السكة وإن تساوت في المقدار وفي الوزن مع المحمدية لما قدمناه من التعليل.
وسلك بعض الأشياخ طريقة أخرى في التعليل لما في المدونة فقال: إنما منع ذلك لأن اليزيدية دون المحمدية، وقد قدمنا أن من باع ثوبا بدراهم ثم اشتراه بأقل من تلك الدراهم أنه يمنع لأجل ما في ذلك من التحيل على الربح في السلف. فهؤلاء يجيزون أن يبيع هذا الثوب بمائة درهم يزيدية إلى شهر ثم يشتريه بمائة محمدية إلى شهر لأنه إنما اشترى البائع الأول بثمن هو أكثر مما باع، وقد قدمنا أن هذين المتبايعين يتهمان على قصد التحيل على الربح في السلف لا على الخسارة فيه.
وقد وقع لابن القاسم وعبد الملك في هذا الأصل اعتبار نفي التهمة بأن لا يتصور في المسألة ربح في السلف فأجازا أن يبيع بسكة إلى أجل ثم يشتري السلعة بسكة ينقدها هي مثل السكة التي باع بها أو أعلى منها؛ لأنه إذا باع بأعلى منها خسر فضل زيادة السكة التي دفع والتأجيل. وإذا كانت السكة التي اشترى بها مثل الأولى، فلا ربح له وإن ساوتها في القيمة. وإذا لم يتصور الربح فلا وجه للمنع. ولو كانت السكة التي يشتري بها البائع الأول لها فضل على تلك بزيادة عدد، لكن لتلك التي باع بها فضيلة تساوي فضيلة ما اشترى به، فإن ذلك يجوز لارتفاع التهمة.