تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وأضافه ابن أبي زمنين إلى ابن القاسم.

وطريقة أصحاب هذا التفصيل: أن القيمة إذا تضمنت دفع قليل في كثير قضي بهذه القيمة، لكن لا يأخذ غارمها من المشتري الأول عند حلول الأجل أكثر من القيمة التي غرم، ويسقط الزائد على المشتري الأول. لأنا إن (1) لم

نسقط عنه، عادت المسئلة إلى الأصل الممنوع، وهو دفع قليل في كثير. وهذا إن تحقق فيه صورة الفسخ الثانية لأجل أنا غرمنا قابض السلعة قيمتها، فإن إبطال ما زاد على القيمة عن المشتري إذا حل الأجل، يقتضي أيضا فسخ العقد الأول. لكن أصحاب هذه الطريقة رأوا أن السلعة لما قبضها المشتري الآخر الذي هو البائع الأول وجب في مقتضى القياس أن لا تنزع من يده، لأنهما إن لم يبطنا فسادا، فالبيعة الأولى والثانية صحيحتان، ولا معنى لفسخ العقد الصحيح.

وإن أبطنا فسادا وقصدا دفع قليل في كثير، فلا بيع بينهما، فيجب أن تبقى السلعة في يد بائعها الأول كأنه لم يبعها. ولهذا مال بعض أشياخي إلى اختيار إبقائها (1) في يده مع قيام السلعة، فإذا فاتت وكانت القيمة التي تلزمه أقل مما باع به وأغرمناه إياها، صار ما زاد عليها من الثمن المؤجل إذا أسقطناه ذهبت علة الفساد وارتفع ما صورناه من التهمة، فكان إصلاح العقد بإذهاب هذه الزيادة خاصة، ويبقى العقد على ما هو عليه أولى من التعرض إلى فسخ العقدين. لكنا إذا سلكنا هذا المسلك، فأغرمنا البائع قيمة السلعة وهي خمسة دراهم، ولم تعد عليه هذه الخمسة دراهم إلا بعد أجل، صار مظلوما بإسقاط حقه بالزيادة، فقدم هؤلاء حق الله تعالى في إصلاح هذا العقد بإسقاط الزيادة على حق المشتري الآخر في إسقاط ما استحقه من زيادة بحكم الثمن. وتكاد هذه المسئلة تلاحظ بياعات الشروط. وفيها الخلاف المشهور: هل يصح البيع بإسقاط الشرط، وإن كان فيه حق لمشترطه تقدمة لحق الله سبحانه على حق هذا المشترط أو يفسد العقد كله، إذ لا يتبعض العقد الواحد؟ وهكذا يعتل من خص الفسخ بالبيعة الثانية بأنها هي التي أدخلت الفساد وأوقعت التهمة، فإذا فسخناها خاصة ارتفعت الشبهة من العقد الأول. أو يقال: إن المنع مبني على أنهما قصدا دفع قليل عن كثير، ولا يتصور ها هنا إلا بارتباط أحد العقدين بالآخر، وإذا ارتبط أحدهما بالآخر، صارا في معنى العقد الواحد، والعقد الواحد لا يتبعض، بل يفسخ جميعه. فهذه النكتة التي يدور عليها هذا الخلاف

مطلقا ومفصلا. وقد نقلنا عن المذهب فسخ البيعتين جميعا نقلا مطلقا. وقيد النقل في بعض الروايات أن الفسخ تسلط على البيعتين جميعا إلا أن يظهر أنهما لم يقصدا العينة، مثل أن يجدها في السوق تباع فيشتريها، فإن الفسخ يختص بالبيعة الأخيرة. وهذا لا يستقر على القاعدة التي قدمناها، لأن التهمة إذا تحقق ارتفاعها اقتضى الحال إمضاء البيعتين جميعا، وإذا لم يتحقق، فسخت الثانية، لأن بفسخها ترتفع التهمة، أو تفسخ البيعتان جميعا لما بينهما من الارتباط كما قدمناه. لكن من قيد هذه الرواية بما قدمناه، رأى فسخ البيعتين. فإذا تبين ارتفاع التهمة، حسن الاحتياط بقصر الفسخ على الثانية خاصة. وإذا لم يتبين، فسخ البيعتان جميعا لأنهما في معنى العقد الواحد.

فإذا تقرر حكم الفسخ مع الفوت فما المفيت ها هنا؟ أما ذهاب عينها أو تغيرها في نفسها، فإنه يفيتها من غير خلاف على حسب ما يأتي بيانه في تغير الأعيان. وأما بقاء عينها على حالتها لكن أسواقها اختلفت، فقد اضطرب المذهب فيه. فقيل: إنه فوت. وقيل: ليس بفوت. وحكى ابن عبدوس أن رجلا سأل سحنونا عن فوت هذه السلعة، فقال له: لا تفيتها حوالة الأسواق، بل تغيرها أو ذهاب عينها. فإذا تغيرت في نفسها حتى وجبت القيمة، هل هي أقل من الثقن فتسقط الزيادة التي زاد الثمن على هذه القيمة؟ أو هي أكثر فيغرم القيمة على الإطلاق على حسب ما قدمناه من التفسير الذي ذكرناه؟ فقال له السائل: هكذا سمعنا عن ابن كنانة. قال ابن عبدوس: قال لنا سحنون: أرووها عن الشيخ ابن كنانة. وسبب هذا الاضطراب الذي نقلناه عن المذهب: أنا قررنا (1) أن هذه العقود زور وأن الملك لم ينتقل، اقتضى هذا كون تغير الأسواق لا يفيتها. وإن لم نقدر أن هذه التهمة تجري مجرى اليقين، وإنما المنع حماية والفسخ مبالغة في الاحتياط لهذه الحماية، وجب أن تفيتها حوالة الأسواق.

شرح التلقين · الجزء ٢ · الصفحة ١٤٢

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

شرح التلقينج ٢ · ص ١٤٢