تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

بمائة، وإنما نصفها هو المبيع بخمسين، والملك قد ثبت في الأصل له، فهو مدعى عليه فيه فيكون القول قوله فيما أنكر من ذلك، وعلى المشتري المدعي (2) أن كل واحد منهما مدع ومدعى عليه. وقد ورد هذا الحديث (3) هذا تحليفهما جميعا على ما أنكراه وتبقى كل منكر مصدقا فيما أنكره (4) يقتضي الفسخ. وهذا التصوير واضح معقول المعنى وواضح دخوله (5) عند من قال بالعموم. وإذا تقرر هذا التصوير واشتمال الحديث عليه، فهذا في حال فوت السلعة على حسب ما تصور في قيامها من غير فرق بينهما (6) التحالف والتفاسخ وإن فاتت السلعة. ويعضد هذا الاستدلال الاتفاق على أن رجلا إذا قال لآخر: بعت منك سلعتك بكذا وكذا،

وقال صاحب السلعة: لم أبعها منك أصلا، فإن القول قول صاحبها في إنكار بيعها جملة، فكذلك إنكاره في بيعها، إلا على الصفة التي ذكرها. وأيضا فإنهما لو اختلفا في جنسين لتحالفا لأن البائع إذا قال: بعت منك تمرا، وقال المشتري: ما اشتريت منك إلا قمحا، وكل واحد منهما ينكر صاحبه فيحلف على ما أنكر، فكذلك اختلافهما في الثمن لأن البيع بمائة غير البع بخمسين، فصار ذلك كعقدين مفترقين اختلفا فيهما، فلابد من تحالفهما، فيحلف كل واحد منهما على ما أنكر من العقد الذي ادعى عليه به. على أن هذا قد يجاب عنه بأن يقال: هما متفقان على أن لم يكن بينهما سوى عقد واحد، فلم يتضمن اختلافهما (سواه عزى) (1) البائع على المشتري عمارة ذمته بدراهم لم يقر بهما فيجب تصديق المشتري المدعى عليه وهذا المعنى الذي قاد أبا ثور إلى أن جعل القول قول المشتري بمجرد اتفاقهما على أن العقد قد وقع، ويزعم أنهما متفقان على أن الملك انتقل للمشتري وما اتفقا عليه لا يقدر فيه تحالف بينهما.

وإذا علم من ناحية العقل، عند تتبع أصول الشرع، أن اليمين إنما يكون فيما اختلفا فيه لا فيما اتفقا عليه، وعلم ها هنا أنهما متفقان على انتقال الملك لم يتصور بينهما الاختلاف إلا في تعمير ذمة المشتري بدراهم، وهو ينكرها، فيصدق في إنكاره. وكذلك أيضا يجاب عن استبعاد حال الفسخ مع القيام، وإسقاطه مع الفوت؛ لأن المطلع على عيب فيما اشتراه له الفسخ مع قيام السلعة، ولا فسخ له مع فوتها، وإنما له الأرش. وينفصل عن هذا بأن العيب الغرض منه استدراك المشتري ظلامة ظلم بها، فمنع (2) القيام يتجه استدراكها بالفسخ، ورد المبيع، ومع الفوت يتجه استدراكها بأخذ قيمة العيب، إذ لا يتصور استدراك ظلامة في رد قيمة السالم من هذه السلعة، بل ربما كان في هذا ضرر عليه، والتحالف في اختلاف المتبايعين في اليمين ليس طريقه طريق

استدراك الظلامة، ولا يعرف من الظالم منهما فلا ترتفع الظلامة إلا بأن تراث (1) العقد ويفسخاه.

هذه طريقة من رأى الفسخ وإن فاتت السلعة قد أبنا وجه الحجة فيه من جهة الأثر وطرق العبر، وأدرجنا في ذلك قول أبي ثور وهو طرف نقيض مع هذا المذهب؛ وما سوى هذين من أهل المذاهب المذكورة يتعلقون أيضا بأثر آخر وهو ما روى ابن مسعود رضي الله عنه أنه باع من الأشعث شيئا فاختلفا في ثمنه فحكم المشتري ابن مسعود في المسألة، فقال ابن مسعود: سمعت النبي - صلى الله عليه وسلم - يقول: "إذا اختلف المتبايعان فالقول قول البائع أو يترادان" (2). وفي بعض الروايات في هذا الخبر تقييد بقوله: والسلعة قائمة. ودليل هذا الخطاب يقتضي أنهما لا يتحالفان مع فوتها، مع القول بإثبات دليل الخطاب، ويكون هذا المستفاد من دليل الخطاب مخصصا لعموم قوله "البينة على المدعي واليمين على من أنكر" (3). وهذا ينظر فيه من جهة أصول الفقه، من القول بدليل الخطاب. وفي تخصيص العموم بدليل الخطاب اضطراب. وهذا مبسوط في كتب أصول الفقه. على أن الحديث قدح في سنده، وذكر أنه مرسل. لكن قد روي أنهما إذا كانت السلعة قائمة؛ وإن فاتت فالقول قول المشتري. وروي إذا اختلف المتبايعان أستحلف البائع، فلو ثبت قوله: فإن استهلكت فالقول قول المشتري، لم يكن هذا تخصيصا بدليل الخطاب. وروي أنه عليه السلام قال: "إذا اختلف المتبايعان فالقول قول البائع والمشتري بالخيار" (3) ولم يذكر في هذه الرواية أنهما يترادان. وأما الرواية التي فيها "ويترادان" فإنها أيضا تؤكد الرواية المشترط فيها قيام السلعة؛ لأن التراد تفاعل إنما يكون بين إثنين، وهذا لا يتصور إلا مع كون السلعة قائمة يتأتى ردها ويرد الآخر الثمن، فيكون ترادا.

شرح التلقين · الجزء ٢ · الصفحة ١٣

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

شرح التلقينج ٢ · ص ١٣