قال الشيخ رحمه الله: يتعلق بهذا الفصل سبعة أسئلة منها أن يقال (5):
1) الاختلاف في الأعواض يكون في الماهية والكمية والكيفية والزمان والمكان والايصال والأحكام،
2) فالماهية اختلاف المتبايعين في جنسين، مثل أن يقول البائع: بعتك بمائة دينار مائة قفيز تمرا، ويقول المشتري: بل اشتريت منك بها مائة قفيز قمحا.
3) والاختلاف في الكمية أن يقول البائع: بعتك ثوبي هذا بعشرة دراهم، ويقول المشتري: بل بعته مني بثمانية دراهم.
4) والاختلاف في الكيفية أن يقول اليائع: أسلمت إلي عشرة دنانير في عشرة أقفزة محمولة، ويقول المشتري: بل بعته مني إلى شهرين، أو يقول البائع: بعته منك بثمن حال، ويقول المشتري: بل إلى شهر.
5) والاختلاف في المكان، مثل أن يقول البائع: أسلمت إلي في عشرة أقفزة قمحا نأخذها بمكة، ويقول المشتري: بل بالمدينة.
6) والاختلاف في الأيصال أن يقول المشتري: دفعت الثمن، ويقول البائع: لم أقبضه، أو يقول البائع: سلمت لك السلعة، ويقول المشتري: لم تسلمها إلي.
7) والاختلاف في الأحكام أن يقول المشتري: عقدنا حلال ويقول البائع: بل حرام.
فكان مقتضى هذا الترتيب أن نبدأ بالكلام على اختلافهما في الماهية،
وهي قوله: ما الشيء، قبل الكلام في الكمية وهي قولنا (...) (1) كيف الشيء؟
وللسؤال عن الماهية قبل الكمية والكيفية، وهو قد بدأ فيها بالكلام في الاختلاف في الكمية.
واعلم أن اختلاف المتبايعين (2) لا يخلو أن يختلفا في ذلك والسلعة بيد البائع (3) أو قبضها وانصرف بهالأولم تتغير في نفسها ولا سوقها أو تغيرت (4) أو سوقها. فهذه الأربعة أقسام في كل قسم في المذهب عندنا قولان، هل يجب (5) أو يصدق فيه المشتري سوى اختلافهما (6) والسلعة في يد البائع فإنه لا خلاف عندنا وعند فقهاء الأمصار أن الحكم التحالف والتفاسخ. وذهب أبو ثور إلى أن القول
قول المشتري في مقدار الثمن. وهذا نوع يضبط به الخلاف في هذه المسألة.
وإن شئت أن تقول: في المذهب خمسة أقوالذي هذه المسألة:
أحدها: أنهما يتحالفان ويتفاسخان فا لم يقبضها المشتري. وإذا قبضها صدق في الثمن.
والقول الثاني: أنهما يتحالفان ويتفاسخان إلا أن يبين بها المشتري فيصدق. وهذه الرواية مذكررة عن مالك في كتاب المكاتب من المدونة. ويشير بعض الأشياخ إلى أن قوله في كتاب الرواحل والدواب حكايته عن قول غير ابن القاسم إذا قال: بعت منك بهذه المائة التي قبضتها مائة إردب إلى سنة. وقال المشتري: أكثر من ذلك. أن قوله: بهذه المائة، يشير إلى أنهما لم يفترقا حتى اختلفا؛ ولم يجعلهما يتحالفان ويتفاسخان. وهذا التعليل إن كان هو الذي أراد بما أشار إليه في كلامه فإن فيه احتمالا وقد يكون افترقا ثم عاد القابض فأشار إلى المائة وخالف في المشتري بها.
والقول الثالث: أنهما يتحالفان ويتفاسخان وإن قبضها المشتري وبأن بهما، إلا أن يفوت بتغير سوق أو بدن فيكون القول قول المشتري. هذه رواية ابن القاسم عن مالك، وبها أخذ ابن القاسم، وهي مذهب أبي حنيفة وتبعه تلميذه القاضي أبو يوسف.
والقول الرابع: أنهما يتحالفان ويتفاسخان وإن فاتت. روى هذا أشهب عن مالك، وبه أخذ أشهب، وهو مذهب الشافعي، وتابعه محمد بن الحسن تلميذ أبي حنيفة. وهذا المذهب الذي كان يفتي به شيخنا رحمه الله، وأنا أمتي به أيضا.
والقول الخامس: أنهما يتحالفان ويتفاسخان إذا كانت السلعة قائمة وادعيا جميعا ما يشبه. فأما إن ادعى أحدهما ما لا يشبه وادعى الآخر ما يشبه، فإن الذي ادعى ما يشبه هو المصدق فصار هذا قولا خامسا إذا ادعى أحدهما ما يشبه والآخر ما لا يشبه. فأما إذا ادعيا جميعا ما يشبه فليس في المذهب سوى
الأربعة أقوال التي ذكرنا.
وسبب هذا الخلاف تعارض آثار وطرق أعيان. فأما الآثار فإنه عليه السلام قال: "البينة على المدعي واليمين على من أنكر" (1) وهذا وإن لم يرد فيما نحن فيه من هذه المسألة فإن عمومه يحسن أن ينطبق عليها، فيقول مالك في أحد أقواله، والشافعي الموافق له على هذا القول: كل واحد من هذين المتبايعين مدع ومدعى عليه، فالمشتري يدعي البائع عليه زيادة في الثمن، فإذا قال البائع: بعتك هذه السلعة بمائة، وقال. المشتري: بل بخمسين فلا شك أن المشتري مدعى عليه بخمسين وهو ينكرها، فعلى البائع البينة لكونه هو المدعي لها، وعلى المشتري اليمين في إنكارها. وكذلك حال البائع فإنه مدعى عليه أنه باع سلعة بخمسين، ونقل ملكه عنها بهذا المقدار، وهو يقول: لم أبعها إلا.