تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

والجواب عن السؤال الثالث أن يقال:

لم يختلف أهل المذهب في كون القمح والشعير والسلت صنفا واحدا لا يحل التفاضل بين أحدهما وبين الآخر. وقد قدمنا مخالفة أبي حنيفة والشافعي في هذا. وأما العكس ففيه اختلاف في المذهب هل هو مما يضاف إلى القمح والشعير والسلت أيضا، أو هو جنس خارج عنهما. كما أن المعروف من المذهب كون الأرز والذرة والدخن لا يضاف أحد الثلاثة إلى القمح والشعير والسلت. لكن ابن وهب من أصحاب مالك نقل عنه إضافة هذه الثلاثة إلى القمح والشعير والسلت. وهو مذهب الليث بن سعد.

وإذا تقرر أن المذهب المشهور عندنا. أن الأرز والذرة والدخن لا يضاف واحد منها إلى القمح والشعير والسلت، فإن المشهور أن كل واحد منهما أيضا

صنف على حياله، لا يضاف أحدهما إلى الآخر. وعلى ما ذكر عن ابن وهب والليث يجب إضافة هذه الثلاثة بعضها إلى بعض.

وأما القطنية كالفول والعدس والحمص وما في معنى ذلك، فإن الخلاف في إضافة بعضها إلى بعض مشهور في المذهب. ففي ذلك روايتان في إضافة بعضها إلى بعض على الجملة. وقيل: إن الحمص واللوبيا يضاف أحدهما إلى الآخر.

وأما الجلبان والسلت فيضاف أحدهما إلى الآخر أيضا. وما سوى هذين لا يضاف فيه أحدهما إلى الآخر من بقية القطنية.

واعلم أن منشأ الخلاف في هذا كله على أصل المذهب حسب الغرض والمنفعة بالشيئين فما تباينت فيه الأغراض وتباعدت فيه المنافع عدا جنسين وما تشابهت فيه الأغراض وتقاربت فيه المنافع عد جنسا واحدا. فاتضح عند أهل المذهب تقارب الأغراض والمنافع في القمح والشعير والسلت فعدوا ذلك جنسا واحدا. واختلفت آراؤهم فيما ذكرنا عنهم الاختلاف فيه، فمن اعتقد في الشيئين أنهما تتباعد الأغراض فيهما وتختلف المنافع فيهما لم يضف أحدهما إلى الآخر. ومن اعتقد تشابه الأغراض والمنافع عد الشيئين جنسا واحدا. وقد

يستدل على صحة الاعتقاد في هذا تساوي الشيئين في المنبت (1) وكونهما يقتاتان في البلد الواحد عموما، كما اتفق ذلك في القمح والشعير عند أهل المذهب ...

والجواب عن السؤال الرابع أن يقال:

قد تقرر أن مما يغير صورة من جهة الصنعة طحنه. وقد تكلمنا على بيع الدقيق بالقمح. ومما يغير الدقيق أيضا عجنه. وليس العجين صنعة تخرج العجين عن أصله. كما أن الطحن ليس بصنعة تخرج الدقيق عن أصله، كما تقدم. فلا يجوز التفاضل بين دقيق وقمح، ولا بين دقيق وعجين، ولا بين عجين (2). ومن شرط جواز بيع أحدهما بمثله أو بأصله المماثلة في المقدار.

ولكن المماثلة في المقدار لا يمكن فيما بين عجينين ودقيق وعجين. لكن يختلف المذهب في جواز بيع أحدهما بالآخر تحريا. فيتحرى في العجينين أصل كل واحد منهما من دقيق، وما بين العجين والدقيق أصل العجين من دقيق. فمن رأى التحري لا يوثق به، وأن كثيرا ما يقع الغلط فيه منع من ذلك لأن الشك في الوقوع في الربا بمعنى تحقق الوقوع فيه. ومن رأى أن التحري ها هنا يوثق به، والغلط فيه مما يندر، والضرورة تدعو إلى الرجوع إليه، أجاز التحري ها هنا.

وأما إذا كان المصنوع مسته النار، فإن ذلك يكون بقلي القمح. فبيع القمح النبي بالمقلو رأى مالك أن فيه معمرا (1) حتى يطحن وأجازه ابن القاسم.

وأما إن طحن المقلو حتى صار سويقا فإن السويق يجوز التفاضل بينه وبين أصله وبينه وبين دقيق أصله. فسويق القمح يجوز التفاضل فيما بينه وبين القمح النبي وما بين دقيق القمح، لأن المنفعة فيه والغرض مخالف للقمح والدقيق والمنفعة مختلفة فوجب أيضا أن يكونا جنسين بناء على ما تقدم تأصيله من اعتبار تشابه المنفعة والغرض أو اختلافهما.

والشافعي يمنع بيع السويق، ويرى أن ما صنع مما أصله الربا لا يجوز بيعه بأصله، ولا بيع المصنوعات منه بعضها ببعض، لاختلاف أجزاء الأصل فيها. وكذلك يمنع بيع الدقيق.

شرح التلقين · الجزء ٢ · الصفحة ١٢٢

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

شرح التلقينج ٢ · ص ١٢٢