وذهب عبد العزيز بن أبي سلمة إلى أنهما جنسان يحل التفاضل بينهما.
فمن ذهب إلى أنهما جنسان يستدل بخلاف التسمية والصورة، كما تقدم الاستدلال بهذا على كون القمح والشعير جنسين مع اختلاف الغرض أيضا في ادخار القمح والدقيق.
ومن ذهب إلى المنع يرى أن التفاضل بينهما ممنوع لكونهما نوعا واحدا.
لكن أحدهما تفرقت أجزاؤه وهو الدقيق، والآخر بقي على صورته وليس بين جوهريهما اختلاف، ولا في المراد منهما، وبيعهما من غير تفاضل يمنع لأن كل ما أريد (2) بصنعة آدمي عن أصله في صفة الادخار والغرض فإنه لا يجوز بيعه بأصله إذا كان مما فيه الربا، كبيع التمر بالنخل، والحيوان باللحم، كما قدمناه في هذا.
وأما من يشترط في إجازته المماثلة من جهة الوزن، كما حكيناه عن ابن حبيب، وذكرنا أن ابن القصار تأوله على ذلك في رواية الجواز على الإطلاق، فإنه يقتضي تقدير أصل يستند هذا إليه، وهو أن ما حرم فيه الربا وطلبت فيه المماثلة، ويوجب (3) فيها اعتبارها بالمعيار المعتاد في زمن النبي - صلى الله عليه وسلم -، ويحمل
خطاب أهل زمانه في أمرهم بالمساواة على ما كانوا يعرفون المساواة من وزن أو قيل، فذكر بعض الناس أن ما كان أصله حينئذ الوزن فإنه لا يجوز بيع بعضه ببعض كيلا باتفاق، لأن الوزن أخص من الكيل، فإذا عدل عما هو أضبط للمساواة إلى ما هو دونه في ضبطها منع من ذلك.
وأما بيع ما كان أصله حينئذ الكيل وزنا فإن بعض الناس ذهب إلى جوازه اعتلالا منه بأن غرض الشرع المساواة بين الطعامين المبيعين فبأي الأمرين اتفقت المساواة من قيل أو وزن فيما كان أصله حينئذ الكيل فإنه جائز.
وأجيب هؤلاء عن هذا بأن مطلوب الشرع حينئذ المساواة بالمعيار المعتاد حينئذ، ألا تراه قال في الحديث "كيلا بكيل" فإذا كان مطلوب الشرع المساواة بالمعيار المعتاد حينئذ وجب الاقتصار عليه وأن لا يعدل عنه إلى ما سواه، لأنهما لما عدل عنه أمكن أن يقعا في التفاضل والربا (لو تغير الطعامين بالمعيار المعتاد فيهما) (1). ومال ابن القصار إلى جواز بيع ما اعتبر فيه الكيل حينئذ بالوزن، لحصول المساواة به وكونه أضبط للمماثلة والمساواة من المكيال، وذكر أن القمح بالقمح لا يمنع من بيعه وزنا بوزن، وإن كان مذكورا في الحديث الكيل لأن مقصود صاحب الشرع المساواة.
وأنكر هذا بعض الأشياخ، وقال: المعروف من المذهب خلاف هذا، وأنه لا يجوز بيع القمح بالقمح وزنا، لأنهما وإن تساويا في الوزن فقد يختلفان في المساواة إذا كيلا، وقد قال - صلى الله عليه وسلم -: "المكيال مكيال أهل المدينة والميزان ميزان أهل مكة" (2) ولم يرد بهذا أنه ليس في العالم سوى ميزان أهل مكة ومكيال أهل المدينة، وإنما أراد الرجوع إلى مكيال أهل المدينة وميزان أهل مكة. وهذا يشير إلى منع تبديل ما كانوا عليه. وأما ما لا أصل له في المجاز (3) فإن من الناس من ذهب إلى أنه يعتبر فيه عادة المتبايعين به في بلادهم. فهذا فيه
مأخذ الخلاف في بيع القمح بالدقيق هل هما جنسان يحل التفاضل بينهما، أو جنس واحد يمكن المساواة أو لا يمكن.
وقد اعتل من ذهب إلى إمكانها ويطول (1) المساواة أن الدقيق فقد عين القمح، لكون أجزائه تفرقت وأجزاء القمح لم تتفرق، والتفرق والانضمام لا يخالف بين الشيئين.
وأجيب عن هذا بأن هذا التفرق في الأجزاء يوقع في التفاضل لكون الأجزاء التي هي ملء صاع أكثر من الأجزاء التي في الدقيقال في هو ملء صاع، فإذا تفاضلت الأجزاء وشوهد التماثل في المعيار عيانا، فإن ذلك يمنع منه لتحقق الربا، كما منع التمر بالرطب، وإن تساويا في المكيال، لما يحدث من تفاضل الأجزاء إذا جف الرطب، على ما سيرد بيانه بعد هذا، وذكر ما قيل فيه. وقد أجرى بعض أشياخي هذا الاختلاف من بيع الدقيق بالقمح في بيع السميد بالدقيق لأن السميد إذا طحن زاد على مقدار الدقيق، فيختلف مذهبنا فيه على حسب ما اختلف المذهب في بيع القمح بالدقيق.