تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وأجاب المخالف عن هذا بأن لفظ الحديث لا يقتضيه؛ لأنه إن أراد بقوله "الطعام بالطعام" أي الشعير بالشعير لكونه طعامهم حينئذ، كما قال الراوي، فلا يختلف في تحريم التفاضل بين الشعير والشعير، وإن أراد الطعام بالطعام عموما، جنسا كان أو جنسين، فإن هذا متفق على منع الذهاب إليه لكون التفاضل بين الجنسين جائزا باتفاق إذا بيعا يدا بيد. وإذا كان هذا متفقا عليه في الجنس الواحد أنه ممنوع التفاضل، افتقر إلى نظر آخر، هل القمح والشعير جنس واحد أو جنسان؟ على أنه قد روي في هذا الحديث أنه قيل لمعمر: إنه ليس مثله قال: أخاف أن يضارع (2). وهذه إشارة إلى توفي التفاضل استحبابا لا إيجابا.

وكذلك ما روي عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه نهى عن التفاضل بين القمح والشعير، يمكن أن يكون ذلك استحبابا لا إيجابا. وسعد بن أبي وقاص أنه ذهب إلى المنع من ذلك أيضا فإن مذهبه وحده لا يكون كالإجماع، ويستدل مالك أيضا على منع التفاضل بين القمح والشعير بأن ما تجانس من هذه الأطعمة منع التفاضل فيه وما اختلف جنسه جاز التفاضل فيه. والمعتبر في الجنسية ها هنا تجانس المنفعة وتقاربها لأنه المطلوب من هذه الذوات ومراد الخلق بها والمقصود بملكها؛ وأما نفس الذات فمالكها على الحقيقة الله سبحانه وحده القادر على إيجادها وإعدامها، وإنما يملك الخلق على الحقيقة الانتفاع

بها فاقتضى هذا اعتبار تساوي المنفعة وتقاربها لا اختلاف الصور والأشكال.

والقمح والشعير قوتان متقاربان في القوتية، فوجب أن يكونا جنسا واحدا.

وأجيب عن هذا بأنهما غير متقاربين في القوتية لأنهما لا يقتاتان في بلد واحد على حد سواء، وإنما يقتاتان على جهات مختلفة، إما لعزة القمح وعدمه، فيرجع إلى الشعير، أو لاعتياد التقوت بأحدهما. وقد أكد الشافعي هذا بأن قال: التمر والزبيب جنسان مع كونهما قوتين حلوين يخرصان، فكذلك القمح والشعير.

ومما يعتمد عليه من قال: هما جنسان، قوله عليه السلام "البر بالبر والشعير بالشعير والتمر بالتمر" الحديث المذكور فيه "فإذا اختلفت هذه الأصناف فبيعوا كيف شئتم إذا كان يدا بيد" (1) فأفرد كل واحد من هذه بتسمية، وإفراده بها يدل على أنه جنس خارج عما سمى قبله وبعده من الأجناس، وأيضا ففي بعض طرق الحديث "وبيعوا البر بالشعير والشعير بالبر كيف شئتم يدا بيد" (2) الحديث كما وقع.

ولا يعترض بأن القمح الجيد بينه وبين القمح الرديئ من التفاوت مثل ما بين دنيئ القمح وجيد الشعير، ثم مع هذا لا يحل التفاضل بين جيد القمح ودنيئه. ولا يتأول تسمية البر والشعير لأجل ما ذكرناه من دلالة هذا الحديث من كون اختلاف اسمائهما يشعر باختلاف أجناسهما.

والجواب عن السؤال الثاني أن يقال:

اختلف الناس في بيع ما فيه الربا من الحبوب بدقيقه، فذهب أبو حنيفة والشافعي إلى منع بيع البر بدقيقه. واختلف الرواة عن مالك، فذكر ابن القصار أنه روي عنه المنع إذا بيع أحدهما بالآخر كيلا. ورواية الجواز على أنه إذا بيع أحدهما بالآخر وزنا. ومن أصحابنا من ذهب إلى حمل رواية الجواز على

مكيال الدقيق وزنا، ولا يكون ربا. ومن أصحابنا من ذهب إلى أن الروايتين معمولتان على إطلاقهما. وفي كتاب ابن حبيب أن الجواز فيما يكلفنا (1) بفعله الجيران على جهة المعروف، وأما ما كثر فلا يجوز، وقد قال رجل من أصحاب الشافعي: إن أبا عبد الله روي عنه أيضا الجواز، فقال رجل من أصحابه: إنما أراد هذا الناقل بأن أبا عبد الله الشافعي فيكون على هذا أيضا اختلاف قول للشافعي.

وأنكر أصحاب الشافعي هذا التأويل، وقالوا: إنما أراد هذا الناقل أبا عبد الله مالكا أو أبا عبد الله أحمد بن حنبل. وقد نقل عن ابن حنبل أنه يشترط في إجازة ذلك أن يكون التبايع وزنا.

شرح التلقين · الجزء ٢ · الصفحة ١٢٠

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

شرح التلقينج ٢ · ص ١٢٠