والمقابلة مع الاختلاف في الجودة والدناءة يتصور، ولا يتبين عدم المقابلة فيها كما تتبين في زيادة المقدار، كما قدمنا.
وأجيب عن هذا بأن المقابلة في المعاوضة إنما تحمل (4) بقصد المتبايعين، وهما إذا جعلا قصد الصالح عوض (الصاعين) قد قابلا أحد العوضين لقصدهما إلى مقابلة هذا بهذا في التعاوض، ألا ترى أن العدديات من المطعومات لا ربا فيها عند أبي حنيفة، وإن لم يتقابل، كبيع بيضة ببيضتين، وجوزة بجوزتين، وما ذلك إلا لقصد المتعاوضين جعل الواحد ها هنا عوض الاثنين، ولو لم يعتبر القصد لوجب المنع، لكون البيضة الثانية والجوزة الثانية لا مقابل لها، فخرجت عن حقيقة البيع.
وأجيب عن هذا بأن هذه العدديات وما اختلفت أجناسه إنما يكون التقابل فيهما بالقيمة، ولهذا كان على متلفها القيمة في المثل، كما يكون عليه إذا أتلف
مكيلة من البر مكيلة من البر وإذا كانت المقابلة إنما تعتبر بالقيمة، والشرع لم يطالب بالتقويم والمقابلة، لأنه أمر خارج عن الذاتين بالتعاوض (1) بهما، فلهذا صح العقد مع المفاضلة والزيادة في العددية، وفي الجنسين المختلفين.
وهاهنا أيضا طريق في الاعتبار يتجاذبها المختلفون في هذا التعليل، وهي أن الشافعية تقول: الإنسان شريف في نفسه، له في الوجود مزية على غيره، فما حفظه وقامت حياته به وجب أن يكون شريفا وله مزية على غيره فالمطعومات بها قوامه فيجب أن لا يمتهن ويبتذل بلا بيع ولا إباحة له على الإطلاق، كما يكون الأمر في غيرها من الأموال التي لا شرف لها. ولا يحسن أيضا أن يحظر بيعها، فيكون في ذلك حرج وإضرار بالناس، فخصت باعتبار شروط لم تعتبر في غيرها حتى تكون لها مزية على غيرها في تضييق العقد عليها، فمنع فيها المفاضلة والنساء، كما اشترط في النكاح الصداق والولي لشرفه على غيره من المتملكات، لأجل ما فيه من تحصين الإنساب.
وهذا للمالكية أن يقول أيضا فيه. حفظ حياة الإنسان بالأقوات لا يساوي المطعومات، فيجب أن يختص هذا الشرف وهذه المزية بالأقوات خاصة دون غيرها من الأطعمة.
وأصحاب الشافعي لا يمكنهم مدافعتهم عن هذا بالمناكرة لكنهم يدفعونهم عن هذا بنصه عليه السلام على الملح، والملح ليس بقوت ولكنه مطعوم، فلهذا لم يخص الشرف على المطعومات التي هي أقوات، بل يخص به سائر المطعومات عموما، لأجل التنبيه بذكر الملح على الطعام على القوت.
والمالكية تجيب عن هذا بأن الملح وإن لم يكن قوتا فإنه يصلح القوت، فلا يستطاب اللحم والخبر. وغيرهما من الأقوات إلا إذا أصلح به، فكأنه مقوم للقوت، والمقوم للشيء يعد من جملته.
وأصحاب أبي حنيفة يدافعون هذه الطريقة بأن الحاجة إلى القوت تقتضي
السعة من الإباحة والإطلاق، لأن أصل البياعات إنما شرعت لأجل الحاجة إليها، فكلما كانت الحاجة إليها أمس كان أحق بإطلاق الإباحة واجتناب التقييد، وبيع الشيء بجنسه يشعر أن ذلك الجنس يحتاج إليه المتعاوضان، ولهذا لم يعدل أحد ما عن جنس ما في يديه، بخلاف المعاوضة بجنسين مختلفين، فإن ذلك يشعر باستغناء كل واحد منهما عن الجنس الذي باعه. وإذا وضح مسيس الحاجة إلى الجنس الواحد وجب أن توسع الإباحة فيه، خلاف ما أشار إليه أصحاب الشافعي من كونه يجب أن يختص لأجل شرفه بنصين (1) في الإباحة.
ويجاب عن هذا بأن مسيس الحاجة إليه تقتضي المنع من بذله وامتهانه بمعاوضة وجنسه (2) على صاحبه لأجل حاجته إليه، فضيق عليه طرق الإباحة في العقود ليحفظ عليه، ويصان له. وإذا كان نظر التعليل اعتبار الشرف، على حسب ما بيناه، كان الطعم والقوت مجرد علة، ويكون اشتراط الجنس، الذي اتفق الجميع من فقهاء الأمصار، شرطا أو محلا، لأجل أنه لا يظهر في اشتراطه معنى مؤثر على حسب ما أظهرناه في اعتبار الطعم والقوت.