تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وقد ذكرنا عن أصحابنا المالكية عبارات مختلفة في التعليل، فمن لم يقتصر منهم على ذكر القوت خاصة قال: إن القوت يفتقر إلى متهمم وهو الأدم والدهون وهو (3) الملح، وإن كمل (4) الشيء المتمم له والمقوم له والمصلح يكون كبعض أجزائه، فلهذا عددوا مع القوت ما ذكرنا من تلك العبارات.

ويرون أن النبي - صلى الله عليه وسلم - ذكر البر لأنه يقتات في حال الاختيار والسعة. فقد نظر الشارع القوت الاختياري فذكر الشعير لأنه قوت في حال الاضطرار، ثم ذكر التمر لأنه وإن كان مما يتفكه به ففيه معنى القوت، ثم ذكر الملح لأنه مصلح

للقوت، فالأربع المذكورة تشترك في كونها مأكولة ومكيلة ومدخرة ومقتاتة فكونها مكيلة لا يصلح أن يكون علة، للكيل (1) فيها واقع على وجه واحد لا يختلف، فلم يكن للتعديد والاقتصار على أربع فائدة، مع أن الكيل والوزن فإن (2) أريد به ما يصلح أن يكال ويوزن ويمكن ذلك فيه، فقد يمكن الوزن فيما لا ربا فيه كالثياب، وإن أريد به ما جرى فيه الكيل والوزن في معيار الشرع، فقد توجد مكيلات وموزونات لم يكن لها وجود في عصر الصحابة، فإن أريد المعيار المتعارف فأهل البلاد يختلفون في الاصطلاح على معيار، فقدم يكتالون الشيء وقوم يزنونه وقوم يعدونه وقوم يجازفون فيه. وهذا يؤدي إلى اختلاف الربا باختلاف أهل البلاد. فلا ينتقض هذا بأن القول يختلف أيضا باختلاف أهل البلاد، لأن ما يحفظ حياة الناس يحفظها في كل مكان، لكنه في بعض الأمكنة ربما عز وجوده فلم يجدوه قوتا، ولكنه في نفسه مهيأ لكونه قوتا، فإذا بطل التعليل بالكيل، والتعليل بالطعم، لأن المقصود منه على الأكثر كونه حافظا للحياة أو متمما لما يحفظها أو هو مالكها (3)، وبطل التعليل بمجرد الادخار، لأن الادخار إنما الغرض منه في أكثر القوت، وقد رفق الله سبحانه بعباده فجعل أقواتهم مما يبقى حتى يدخروها لوقت الحاجة إليها، فصار الحاصل من نقد هذه الأوصاف اعتبار القوت والغرض المقصود في أكثر في الأطعمة المخلوقة للإنسان وقد سلك بعض أصحاب الشافعي قريبا من هذا المسلك، فقال (قدحا من الأربعة يمنع الدين) (3) فيما تجانس وإباحته فيما اختلف، وما ذلك إلا لكون المتجانس الغرض فيه واحد، وإذا كان مطلوب الشرع إيجاد الغرض، طلبنا نحن الكشف عن الغرض ما هو؟ فوجدناه للطعم لأن المطعومات ما خلقت لتكال أو توزن، لكن لتؤكل، فنقول نحن: بل لتكون قوتا حافظا لحياة، على حسبما بسطناه.

واعلم أن أصحاب أبي حنيفة إن عورضوا في التعليل للذهب (والوزن) (1) بالوزن، وكون المصوغات من الذهب والفضة فيها الربا وإن لم توزن، اعتذروا عن هذا بأنه عليه السلام قال "الذهب بالذهب مثلا بمثل" فاحتمل عمومه على ما يوزن وما لا يوزن، فمنع ما لا يوزن منه بحق العموم لا بحق التعليل، وكذلك إذا عورضوا بأن أحد الوصفين يستقل علة في الربا، ربا بالنساء، وقد تقرر ومنع بيع الذهب بالفضة لاشتراكهما في أحد وصفي العلة وهي الوزن، وجاز بيع الزعفران بالدنانير نساء، وإن اشتركا في أحد وصفي العلة وهو الوزن، اعتذروا بأن هذا الاشتراط إنما يؤثر إذا كانا جميعا ثمنين أو مثمونين، فإذا كان أحدهما ثمنا والآخر مثمونا كالدنانير بالزعفران جاز ذلك إجماعا وصار هذا الإجماع مخصصا لهذا التعليل، أو يعتذر عنه بأن الوزن في الأثمان كالكيل في غيرها من المثمونات، فلم يشتركا في علة واحدة لكون الوزن في الدناير التي هي أثمان كالكيل في المثمونات، والوزن في الزعفران على حقيقته لا ينقل عنه إلى التشبيه بغيره. ولعلنا أن نبسط ما تعلق بهذا الاعتراض من أصول الفقه في كتاب الصرف إن شاء الله، ونتكلم على التخصيص وقصرها.

والجواب عن السؤال السابع أن يقال:

اختلف المذهب في ثبوت الربا في بعض الثمار، كالرمان، فقال مالك رحمه الله: لا ربا فيه (عند مالك) (2) ولا في التفاح. وقال ابن نافع بإثبات الربا أيضا في التفاح (والعين) (3) والإجاص والموز. وذكر أن ذلك مما ييبس ويدخر. وحكى ابن المواز أنه لا ربا فيه، وذكر أيضا مما يشير إلى كراهية التفاضل فيه، فقال: وقد قال: لا يعجبني، وغير (4) منه قال ابن المواز: يريد

شرح التلقين · الجزء ٢ · الصفحة ١١٦

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

شرح التلقينج ٢ · ص ١١٦