وهاهنا أيضا ظواهر أخر منع فيها الشارع، فتجاذبها المختلفون، وهي قوله عليه السلام: "لا تبعيوا البر بالبر إلا مثلا بمثل" الأحاديث الواردة في هذا على اختلاف ألفاظها. وقد افتتحها بالنهي عن بيع البر بالبر عمرما، ثم استثنى من هذا النهي ما تساوى فيه الكيل. فيقول المخالف لأبي حنيفة: قد عم قوله "لا تبيعوا البر بالبر" بأقل من البر أو أكثر، وما لا يمكن كيله لقلته، وما أمكن كيله لكثرته، وأنه حكم ما جرى التفاضل فيما قل من الطعام، فلم يمكن كيله لقلته، وعموم الحديث يقتضي المنع منه، وتعليل الحديث بما ينافي عمومه لا يقبل، كتفريع على أصل يعود التفريع بإبطال الأصل.
ويجيب أبو حنيفة عن هذا بأن المراد بقوله "لا تبيعوا البر بالبر إلا مثلا بمثل" ما كان من البر يصح كيله لأن قوله "كيلا بكيل" بيان لما تقدم، وإشارة إلى أن المراد به ما يصح كيله، والاستثناء إنما يكون من جنس المستثنى فقدله "إلا كيلا بكيل" استثناء مما يصح كيله، هذا حقيقة الاستثناء. وإذا دل الاستثناء على أنه مجانس لما استثنى منه تضمن ذلك كون المستثنى فيه (2) مما
تصح فيه المساواة في الكيل والمفاضلة.
ويرى أصحاب أبي حنيفة أن هذا المراد (1) بهذا الحديث ويقولون: قد روي الحنطة بالحنطة مثلا بمثل وفي رواية "مثل بمثل" فمن نصب "مثلا" أضمر فعل أمر فكان التقدير بيعوا الحنطة مثلا بمثل. ومن رفع أضمر مصدرا فكان التقدير: مثل بمثل. فيكون هذا بمعنى المبتدأ والخبر. فلم يأت في هذه الرواية لفظ آخر يعم ما يمكن كيله مما لا يمكن.
قيل لهم: ورد فيها إيجاب المساواة بين البرين إذا بيع أحدهما بالآخر، فيحمل ما سواه من الألفاظ الواردة في الطرق الأخرى على هذا، ويكون القصد بالأحاديث إيجاب التسوية.
قالوا: وإذا كان المراد إيجاب التسوية فالتسوية تكون من ناحية الذوات، ومن ناحية المقدار، فإيجاب التسوية من ناحية الذوات هو اشتراط الجنس، وهو أحد وصفي العلة، واشتراط إيجاب المساواة أيضا يقتضي المساواة في المقدار، ولا تكون المساواة وتتحقق وتعرف إلا من ناحية الكيل، فقد تضمن هذا كون الجنس والكيل علقة بتحريم الربا بواسطة إيجاب التسوية، ولا معنى لمناقضتها في قولنا: إن الكيل علة، فإنه يكون علما على التحليل إذا تساوى وعلما على التحريم إذا تفاضل. ولا يكون الوصف الواحد علة التحليل والتحريم لأنا قد بينا أن المطلوب إيجاب التسوية لا أكثر، وإنما يتوصل إلى التسوية بالكيل، والتساوي .. بسب الخلاص من التحريم. وهو المطلوب في الشرع، وليس هو علة في التحريم والتحليل، وإنما هو علم على المساواة التي أوجبها الشرع. ولا يناقض أيضا بجواز صاع برجيد بصاع بر ردىء، لأن الشرع إنما طلب المساواة من جهة التشابه كيلا ومقدارا، لا مساواة تعم سائر الأوصاف لأنه لو شرع هذا كان من الحرج العظيم، وانقطعت المعاوضات ها هنا، مع كون هذا الوصف غير منفرد عن الذات، ولا متميز، والاختلاف في المقدار متميز
محسوس بحس قدر أحدهما بالآخر. فإن المقابلة تشاهد، فإن (طالت أحدى) (1) على الأخرى في المقدار صارت تلك الزيادة لا مقابل لها، وإذا كانت المقابلة لم تتأت فيها حقيقة المساواة مع هذه الزيادة المحسوسة، ومعلوم أن البر إذا بيع بالبر هما متساويان قطعا، فإذا بيع صاع بصاع (2) صار الصالح الثاني لا مقابل له، وإذا لم يكن له مقابل استح الذيه حقيقة المعاوضة، لأن حقيقة البيع نقل الملك بعوض، والمقابلة في المعاوضة إنما تصح مع المساواة في التقابل، فإذا لم يكن التقابل نافر ذلك حقيقة (ذلك فاسد) (3)، وهذا الصالح الزائد لا مقابل له فعروه عن مقابلته بشيء يسلبه حقيقة البيع وقضيته وما أستلب منه حقيقة البيع وقضيته فسد. فلهذا المعنى حرم الربا فيما تجانس، وصار المقابل له خرج من الملك بغير معاوضة، فلحق بأكل المال بالباطل.