تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وإن ثبت أن هذا مما اختلف فيه الصحابة وثبت أن من بعدهم أجمعوا على تحريم الربا في النسيئة المذكررة في الحديث، فارتفع حكم الخلاف المتقدم بإجماع من تأخر على مذاهب الأصوليين، ولم يرتفع حكم الخلاف في قول بعضهم على ما ذكرناه في كتابنا الذي أمليناه في أصول الفقه. فأخبر ابن عباس بالوجه الذي أداه إلى مخالفة مذهب الجمهور، وهو حديث أسامة. وحديث أسامة هذا ورد بألفاظ مختلفة منها "الربا في النسيئة" (3) وهذا ليس بنص في نفي الربا في النقد، لكن من ناحية دليل الخطاب على أن هذه اللفظة التي تشعر بالحصر وهي قوله "إنما" من آكد دليل الخطاب. لكن روي بلفظ آخر أنه عليه السلام قال "لا ربا فيمن كان يدا بيد" (4) وهو نص عمومه في نفي الربا في النقد، لكنه مقابل بما ورد من طرق كثيرة وبألفاظ مختلفة من قوله عليه السلام "لا تبيعوا الذهب بالذهب إلا مثلا ولا يزد بعضه على بعض" وفي آخر: "ولا تبيعوا غائبا منها بناجز" وفي بعض الطرق أنه قال "الذهب بالذهب والورق بالورق والبر بالبر والشعير بالشعير والتمر بالتمر والملح بالملح سواء بسواء

غير (1) يدا بيد فإذا اختلفت هذه الأجناس فبيعوا كيف شئتم" (2) الحديث كما وقع هذا وغيره مما يكثر تعداده فنهي فيه عن التفاضل بين هذه المذكورات، مع اشتراطه كونها يدا بيد وعينا بعين. وقوله "لا تبيعوا غائبا منها بناجز" (3) وفي بعض الطرق "ومن زاد أو استزاد فقد أربى" (3) وقد تكلمنا على هذه الأحاديث في كتابنا المترجم بالمعلم (3). وقد ذكر الشافعي رحمه الله في تأويلها وبناء بعضها على بعض وجواز أحدهما أنه قال: يمكن أن يكون سائلا (4) سأل النبي - صلى الله عليه وسلم - عن التفاضل فيما بين جنسين من هذه فقال له "إنما الربا في النسيئة" يعني أمر هذه الأجناس أنها إذا اختلفت فالفاضل بينهما حل الذي النقد وحرام في النساء إذا اجتمعا في علة واحدة كما قدمنا بيانه، فيكون الألف والسلام ها هنا ليست للجنس ولكنما المراد بها الذي وقع السؤال عنه وهو نوع من أنواع الربا.

والوجه الثاني أن قوله: "لا ربا فيما كان يدا بيد" وقوله: "إنما الربا في النسيئة" عموم في سائر هذه البياعات تجانست أو اختلفت. ولكن هذا العموم يخص بقوله: "من الذهب بالذهب مثلا بمثل يدا بيد" إلى غير ذلك من الألفاظ التي ذكرناها (5) الأحاديث فيحتمل (6) قوله "إنما الربا في النسيئة" على ما اختلفت أجناسه من هذه الأنواع المذكورة بدليل منعه لربا الفضل فيما تجانس وكان يدا بيد. وقد تأول في هذا أن قوله "إنما الربا في النسيئة" يريد العروض التي لا ربا في نقدها إذا تماثلت لكي يكون الربا فيها إذا تماثلت ووقع البيع نساء، البيع ثوب بثوبين مثله نقدا، فإنا نجيزه، ونمنع منه إذا كان ذلك نساء لما تقدم بيانه وذكر المذاهب فيه في كتاب السلم الأول.

والجواب عن السؤال الخامس أن يقال:

قد قدمنا أن النبي - صلى الله عليه وسلم - نص على تحريم الربا في ستة أنواع، وهي: الذهب والورق والبر والشعير والتمر والملح.

فأما داود وغيره من أهل الظاهر فإنهم قصروا التحريم على هذه الستة المذكورة في الحديث، وأباحوا النقد فيما سواها من سائر الأنواع، بناء منهم على مذهبهم في نفي القياس، بأنه ليس بدليل في أحكام الشرع، وإنما أحكام الشرع مقصورة على ظواهر الكتاب والسنة.

وهؤلاء إن نشأ رددنا عليهم بالطريق التي سلموا بكونها دليلا وهو لفظ الشارع فيما رواه عمران أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "الطعام بالطعام مثلا بمثل" (1) فقوله "الطعام بالطعام" (1) يشتمل على البر والشعير والتمر والملح، والمنصوص على عينها في الحديث، وعلى ما سواها من سائر الأطعمة.

وإن شئنا رددنا عليهم بإثبات القياس في كونه دليلا في الشرع يجب الرجوع إليه.

شرح التلقين · الجزء ٢ · الصفحة ١١١

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

شرح التلقينج ٢ · ص ١١١