وأما من سواهم ممن يقول بالقياس، وهم أئمة الأعصار وفقهاء الأمصار فإنهم لا يقصرون تحريم الربا على هذه الستة المنصوص عليها في الحديث، بل يستنبطون من هذه الستة علة، ويقيسون عليها ما سوى الستة مما يشاركها في هذه العلة المستنبطة.
واختلفوا في هذه العلة المستنبطة، فنقل بعض النقلة عن ابن الماجشون أنه يقول: العلة: المالية. وأنكر بعضهم هذا النقل والتعليل يكون الشيء مالا، وأضاف الغلط والوهم لناقله، وأشار إلى الاتفاق.
وعلل ابن حبيب ذلك بتفاوت المنفعة.
وعلل ابن سيرين بالتجانس.
وعلل ربيعة بوجوب الزكاة.
وعلل أبو حنيفة الذهب والفضة بالوزن، والبر والشعير والتمر والملح بالكيل.
واتفق مالك والشافعي رحمهما الله على تعليل الذهب والفضة بالثمنية، واختلفا في تعليل المطعومات الأربعة، فقال الشافعي في القديم: العلة كونها جنس مأكوله مكيلة، وقال في الجديد، وهو المذهب الذي عليه أصحابه: العلة كونها مطعومة.
وأما نحن فأكثر عندنا اختلاف العبارات عن هذه العلة في هذه المطعومات.
فقال مالك رضي الله عنه في الموازية: كل ما كان من الطعام والشراب كالحبوب والأودك والأدم والفواكه، رطبها ويابسها مما يدخر، وهو جنس واحد، فإن الربا فيه حرام بشرط الجنسية والادخار. وذكر أنواعها فيه أشارة لما يقتات ويؤتدم به وما يتفكه، واقتضى هذا أن العلة كون الشيء، قوتا أو إداما أو تفكها، مدخرا.
وأما اشتراط الجنسية فلا يفيد ذكره لأنه مشترط عند مالك والشافعي وأبي حنيفة فلا خلاف عندهم لقوله عليه السلام: "إذا اختلف الجنسان فبيعوا كيف شئتم إذا كان يدا بيد" (1) وقال بعض أصحابنا كل واحد من هذه الأربعة لعلة: فالبريقتات حال السعة والاختيار، والشعير حال الفاقة والاضطرار، والتمر يتفكه به، والملح يصلح الأقوات، وهو أيضا كاللحم فيها لأن الخبز واللحم إذا لم يكن فيهما ملح نافرتهما الطباع. فصارت علة القوت الاختياري أو التفكه أو المصلح للقوت. وذكر أبو بكر الأبهري من أصحابنا من علل هذه بثلاثة أوصاف فالملح والشعير العلة فيهما القوتية، والعلة في التمر التفكه، وفيه معنى القوت، والعلة في الملح كونه مصلحا في القوت. قال: ومنهم من علل ذلك بالقوتية. وذكر ابن القصار والقاضي أبو محمد عبد الوهاب في غير كتابه هذا أن العلة الادخار للعيش غالبا. وأنكر بعض أشياخنا هذا، وقال: إنما يحسن هذا التعليل لوجوب
الزكاة، فإن الزكاة متعلقة بما هو في أصل العيش غالبا، ولهذا لم يوجبها في الجوز واللوز، وإن كنا نحرم فيهما الربا لأنهما، وإن ادخرا، فلا يدخران لأنهما أصل في العيش غالبا. وأنكر أيضا تعليل التمر لكونه متفكها به، لأجل أنه (1) أن كان قوتا في زمن النبي - صلى الله عليه وسلم -.
فأما هذه العبارات التي أوردناها عن أهل المذهب فإنها تتضمن الاتفاق على تحريم الربا في أنواع لم ينص عليها كالذرة والدخن والأرز والسلت وما أشبه ذلك لكون ذلك قوتا مدخرا اختيارا واضطرارا. ويتضمن الاتفاق على نفي الربا عن أنواع فيما لم ينص عليها، كالبقول مثل الخضر والهندبا والقطن وما أشبه ذلك. ويقع الإشك الذي أنواع أخر نفرضها (2) على هذه الحدود كالرمان فإن فيه قولين: هل يحرم فيه التفاضل أم لا؟ لأجل أنه لا يدخر للعيش غالبا، وأنه أيضا ليس بقوت ولكنه يدخر تفكها. وكذلك الخوخ وغيره مما سنذكر الخلاف فيه، إنما تصور الخلاف فيه لفرضه (2) على هذه العبارات، واختلاف الفقهاء فيه، في حكم العوائد فيه، فربما كان الشيء قوتا أو تفكها عند قوم، وكان بخلاف ذلك عند آخرين، على ما سنقف على تفصيله إن شاء الله عز وجل.
والجواب عن السؤال السادس أن يقال:
أما ما ذهب إليه ابن (3) واعتبار تقارب المنفعة، وما ذهب إليه ابن سيرين من اعتبار المجانسة، وما ذهب إليه ربيعة من اعتبار تعلق الزكاة فإنه يرد على هؤلاء بأن النبي - صلى الله عليه وسلم -: "اشترى عبدا بعبدين" (4) وبأنه "أمر عبد الله بن عمر بأن يأخذ القلوص بالقلوصين إلى إبل الصدقة" (5). ومعلوم أن القلوص بالقلوصين تتقارب منفعتهما (6) ويتجانسان أيضا، وكلك العبد بالعبدين، والإبل فيها