تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

فإن علة المنع من بيع القمح بالقمح متفاضلا كونه مقتاتا، والعلة في منع الثمر بالثمر متفاضلا كونه مقتاتا، وإن كان فيه معنى التفكه، على ما سيرد بيانه، فبيع أحدهما بالآخر نساء لا يجوز لاشتراكهما في علة ربا الفضل. وأما بيع الثمر أو القمح بدنانير أو دراهم إلى أجل فإن ذلك جائز، لأن علة ربا الفضل في الذهب كونه لما (1)، وفي الثمر أو القمح مقتاتا، فقد افترقا في علة ربا الفضل فجاز بيع أحدهما بالآخر تساويا (2) .. وأما ربا الفضل مع النقد فسنتكلم عليه بعد هذا.

والجواب عن السؤال الثالث أن يقال:

الربا محرم على الجملة بالكتاب والسنة وإجماع الأمة.

فأما الكتاب فقوله تعالى: ﴿ذلك بأنهم قالوا إنما البيع مثل الربا وأحل الله البيع وحرم الربا﴾ (3) فأنكرت (4) الجاهلية الاعتقاد أنها بيع مثل البيع الأول فإذا حل بها أن يسلم دينارا في حمل إلى أجل فكذلك يحل لها إذا حل الأجل أن يفسخ العمل في حملين إلى أجل آخر، فيكون بايعه حملا بحملين، وأنكر الله تعالى قولهم فقال: ﴿ذلك بأنهم قالوا إنما البيع مثل الربا وأحل الله البيع وحرم الربا﴾ (3) فنص تعالى على تحريمه فقال: ﴿اتقوا الله وذروا ما بقي من الربا إن كنتم مؤمنين (278) فإن لم تفعلوا فأذنوا بحرب من الله ورسوله﴾ (5) وقال تعالى: ﴿لا تأكلوا الربا أضعافا مضاعفة﴾ (6) وقال تعالى: ﴿يمحق الله الربا ويربي الصدقات﴾ (7) وقال تعالى: ﴿وما آتيتم من ربا ليربو في أموال الناس فلا يربو عند الله﴾ (8) لكن هذه الآية ذهب بعض الناس إلى أنها نزلت في الهدايا.

وأما الأحاديث (1) فقد غلظ النبي - صلى الله عليه وسلم - في بعضها فقال: "لعن الله آكل الربا وموكله وكاتبه وشاهديه" (2) فعم باللعنة فاعله ومن أعان عليه بكتبة أو شهادة، وقال: "لا تبيعوا الذهب إلا مثلا بمثل ... " (3) الحديث الوارد من طرق كثيرة وبألفاظ مختلفة.

وأما الإجماع فإنه انعقد على تحريم الربا في النسيئة. وإن كان ربا النقد فيه خلاف سنذكره. والمعاملة بالربا في النسيئة أكثر تكرارا لمسيس الحاجة إلى المعاملة نسيئة بزيادة، فلهذا لم يقع فيها اختلاف، وفي كون الآية في البقرة مراد بها ربا النسيئة بدليل قوله تعالى: ﴿وذروا ما بقي من الربا﴾ (4) وأشعر هذا بأنه ربا في الذمة. وقد تقدم الكلام على هذا وما فيه من الخلاف مبسوطا مبينا بيانا شافيا.

والجواب عن السؤال الرابع أن يقال:

قال الله سبحانه: ﴿لا تأكلوا الربا أضعافا مضاعفة﴾ (5) وقال تعالى: ﴿لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل إلا أن تكون تجارة عن تراض منكم﴾ (6) فمن الناس من ذهب إلى أن جميع البياعات الممنوعة في الشرع غير خارجة عن هاتين الآيتين. وهذا المذهب يحسن إذا قيل: إن الربا تسمية لكل عقد محرم.

أو قيل: إنه تسمية لبيع وقعت فيه زيادة في أحد العوضين. وقوله تعالى: ﴿لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل إلا أن تكون تجارة عن تراض منكم﴾ (6) يشتمل على بيع الغرر وما في معناه لأنه من إضاعة المال.

واختلف الناس في ربا الفضل في النقد: فالمشهور المعروف عن جمهور الصحابة رضي الله عنهم ومن بعدهم المنع منه على الجملة التي نفصلها فيما بعد

إن شاء الله. وذكر عن ابن عباس رضي الله عنه جوازه. وعن عبد الله بن الزبير وأسامة بن زيد وزيد بن أرقم (يكون الأكثر في النقد إضافتهم هذا الآن ابن عباس مع أصحابه للرجوع عن هذا المذهب إليه (1) فقال بعضهم رأيت ابن عباس يبيح ربا الفضل: الدينار بالدينارين فلما مضيت إلى العراق افتيت به الناس فأتاني من ذكر لي أن ابن عباس رجع عن هذا المذهب، فعدت إليه وسألته فقال: أبو سعيد الخدري يخبر عن النبي - صلى الله عليه وسلم - بالمنع منه. وذكر أبو سعيد الخدري قال له: هذا رأي رأيته أو سمعته من رسول الله - صلى الله عليه وسلم -؟ فقال له: إنما حدثني به أسامة أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال. "إنما الربا في النسيئة" وأبيح (2).

شرح التلقين · الجزء ٢ · الصفحة ١١٠

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

شرح التلقينج ٢ · ص ١١٠