تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وثمرة هذا الاختلاف أن ابن داود نفى الربا عما سوى هذه المذكورات في الحديث من العين والطعام، واحتججنا عليه بقوله تعالى: ﴿وأحل الله البيع وحرم الربا﴾ (4) أجاب بأن الربا المذكور في القرآن ربا الجاهلية، وهو كالزيادة في نفس الشيء، لأنهما إذا حل عليهما المطالبة بعين، فقال الطالب: تقضي أو تربي بمعنى تزيد بمقدار ما في ذمتك، صار هذا كالزيادة في نفس الشيء. وقد ذهبت طائفة إلى حمل هذه الآية على ربا الجاهلية، وجعلت الألف والسلام في قوله تعالى ﴿وحرم الربا﴾ للعهد، لأن الجاهلية قالت: إذا حل لنا البيع الأول حل لنا

البيع الثاني. وهو فسخ الشيء في أكثر منه. وأنكر ذلك عليهم سبحانه بقوله ﴿ذلك بأنهم قالوا إنما البيع مثل الربا وأحل الله البيع وحرم الربا﴾ (1) وأخبرهم أنه أحل لهم هذا وحرم عليهم هذا، فانصرف الألف والسلام إلى ما تقدم ذكره مما أخبر الباري سبحانه به عنهم. ويؤكد هؤلاء هذا التأويل بقوله تعالى: ﴿وذروا ما بقي من الربا إن كنتم مؤمنين﴾ (2) وبيع شيء بأكثر منه نقدا لا يتصور فيه ﴿وذروا ما بقي من الربا﴾ (2) وإنما يتصور فيمن فسخ دينه في أكثر منه يقال له: ذر ما يبرئك في الذمة من زيادة اشترطتها عوض التأخير. فإذا ذهبنا إلى أن الربا ينطلق على الزيادة في نفس الشيء وعلى الزيادة فيما يقابله، وقلنا: إن العموم إذا خرج على سبب ويقدر دخول الجاهلية وجب أن يقضى بحكم اللفظ في العموم لا بحكم تخصيص السبب، صح الرد على داود على هذا المذهب، ولعل ابنه إنما ذهب إلى ما حكيناه عنه في حقيقة اسم الربا، فسد باب الاحتجاج على ابنه بهذه الآية. وقد ذكرنا مذهب ابن سريج ورأيته اتفصل عن هذا التعلق بقوله: ﴿وذروا ما بقي من الربا﴾ (2) فإنه قد يكون ما بيع متفاضلا نقدا لم يقبض العوض الذي فيه الزيادة، فيتصور أن يقال ﴿وذروا ما بقي من الربا﴾ (2) بمعنى: لا تقبضوا الزيادة، وسموا (3) العقد الفاسد. ومن الناس من ذهب إلى أن التسمية تنطلق على كل بيع محرم، وأضيف هذا المذهب إلى عائشة رضي الله عنها لأجل قولها: لما أنزلت آية الربا قام النبي عليه السلام فحرم التجارة في الخمر (4). وهذا منه إشارة إلى أن بيع الخمر لما كان محرما كان ربا، فلهذا حرمت عقيب نزول آية الربا.

وأضيف أيضا إلى عمر بن الخطاب رضي الله عنه لأجل قوله: إن من الربا بيع الثمر وهي معصية (5) قبل أن تطيب. فأطلق على بيع الثمر قبل الزهو اسم الربا

لما كان محرما. ويحتج هؤلاء بقوله عليه السلام: "الذهب بالورق ربا إلا هاء وهاء" (1) والتفاضل بين الذهب والورق جائز، وإنما يسمى (2) ها هنا بربا لكونها محرمة.

والجواب عن السؤال الثاني أن يقال:

قد قسم القاضي أبو محمد عبد الوهاب رحمه الله الربا على قسمين: ربا نقد وربا نسيئة. وربا النساء لهما (3) يتصور وقوع هذه التسمية عليه على هذه الطريقة التي سماها لها الجواب، وهي تسمية كل بيع محرم للربا (4). وقد تكلمنا نحن على ربا النساء في كتاب السلم الأول فيما يحرم التفاضل (في ربا) (5) وفيما لا يحرم، وبسطناه هنالك بسطا لا وجه لإعادته ها هنا. لكن ربا النساء متفق على تحريمه، ومتفق على أنه مراد بالآية التي ذكرناها. وقد يتصور في الذهب بالذهب متفاضلا نساء، وفي القمح بالقمح متفاضلا نساء، ويمتنع ذلك لأجل التفاضل ولأجل النساء والتأخير. وأما ما (6) وعقد على تفاضل نساء، ولكنه لا ربا في نقده، ففيه من الاختلاف الأمصار (7) وما قدمناه في كتاب السلم الأول في سلم ثوب في ثوبين. وأما ما اختلف جنسه ولا ربا في نقده فإنه يجوز النساء، كسلم عقد في ثوبين أو في ثوب واحد. وأما ما كان في هذه الربا (8) فإنك تنظر: هل يجتمع العرضان (9) جميعا في علة واحدة لأجلها منع ربا الفضل بينهما أو لا يجتمعان في علة؛ فإن اجتمعا في علة واحدة كالقمح والثمر

شرح التلقين · الجزء ٢ · الصفحة ١٠٩

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

شرح التلقينج ٢ · ص ١٠٩