تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ويلتفت في هذا إذا قدرت أنهما في حكم اللحم للحي (1) إلى جواز بيع اللحم باللحم تحريا.

وسنتكلم على جواز بيع اللحم باللحم تحريا، وهما في جلودهما، وقد سلخا عنهما، وسبب الاختلاف في ذلك إن شاء الله. وقد أشار بعض الأشياخ إلى مقتضى حكمنا يكون الجنس كالجنس ألا يجوز في التعاوض بهما للمتأخرين (2) كما لا يجوز في الطعام بالطعام، لكنهما لما اشتركا في الحياة لم يعتبر ما يقصد منهما في حكم (3) - كما لا يعتبر في بيع الزيتون بالزيتون يتفاضل ما فيها من زيت، ولو بيع الزيتون بزيته لمنع واعتبر ذلك فيه.

قال القاضي أبو محمد عبد الوهاب رحمه الله:

بيع الربا غير جائز. والربا ضربان: تفاضل ونساء.

والتفاضل على وجهين: تفاضل في العين وتفاضل في القيمة.

فالتفاضل في العين يحرم من جهتين: إحداهما الجنس الواحد من المقتات المدخر، وما في معناه مما يصلح الأقوات، وذلك في المسميات الأربع التي نص عليها الرسول عليه السلام وهي: الحنطة والشعير والتمر والملح. ويلحق بها ما في معناها كالأرز والذرة والدخن والسمسم والقطاني كالفول والعدس واللوبيا والحمص. وكذلك اللحوم والألبان والخلول والزيوت، والثمار كالعنب والزبيب والزيتون. واختلف في التين، ويلحق بها العسل والسكر. ولا يحرم التفاضل في الماء كله، ولا في رطب الفواكه التي لا تبقى كالرمان والتفاح والكمثرى والبطيخ والخيار والباذنجان والقثاء وغير ذلك

من الخضروات، ولا فيما يدخر من الفواكه للأدوية كالمشمش والأجاص، أو على وجه الخصوص والندور كالخوخ وغيره.

قال الفقيه الإمام رضي الله عنه: يتعلق بهذا الفصل سبعة أسئلة منها أن يقال:

1) ما الربا؟

2) وما أقسامه؟

3) وما الدليل على منعه على الجملة؟

4) وما الدليل على تحريم ربا الفضل في النقد؟

5) وما سبب الخلاف في علة ربا النقد؟ (1) والله المستعان.

فالجواب عن السؤال الأول أن يقال:

اختلف الناس في المراد بهذه التسمية، فقال بعضهم: هي الزيادة.

واختلف هؤلاء في هذه الزيادة، فقال بعضهم: هي الزيادة في نفس الشيء لا فيما يقابله من العوض. وم الآخر ون إلى كون هذه اللفظة تنطلق على الزيادة حقيقة، سواء كانت الزيادة في نفس الشيء أو في عوضه المقابل له.

ورأيت ابن داود ذهب إلى أن حقيقة هذه اللفظة الزيادة في نفس الشيء خاصة، واحتج بقوله: ﴿فإذا أنزلنا عليها الماء اهتزت وربت وأنبتت من كل زوج بهيج﴾ (2) والأرض إنما تربو في نفسها لا في شيء يقابلها. وأجاب الآخرون عن تعلقهم بقوله عليه السلام في الذهب بالذهب وما ذكر معه "مثلا بمثل فمن زاد أو ازداد فقد أربى" (3) فإنه أراد أنه فعل ما يشبه الربا أو ما قارب فعل الربا، فأشبه فعله "للربا" فأشار إلى أن الحقيقة في هذه التسمية الزيادة في نفس الشيء: وأما الزيادة فيما يقابله فإنما سمي ربا مجازا.

ورأيت ابن سريج من أصحاب الشافغي، رحمه الله، سلك قريبا من هذا المسلك، فأشار إلى أن هذه التسمية، وإن وضعت للزيادة في نفس الشيء،

فإنها تنطلق على الزيادة فيما يقابله بحكم العرف، ويكون من الأسماء العرفية، كالصلاة التي هي في اللغة موضوعة للدعاء، وهي في الشرع كناية عن الصلاة المعهودة التي فيها ركوع وسجود (1) ابن داود في أن أصلها في اللغة هو الزيادة في أصل الشيء، وأقرب للطرق بعد ذلك فاعتقد ابن داود في أن تسمية الزيادة فيما يقابل الشيء ربا مجاز. واعتقد ابن سريج أن هذا من الأسماء العرفية في الشرع. ونحن قد كشفنا في كتابنا في الأصول المترجم بالمحمول من برهان الأصول على حقيقة هذا المذهب في تسمية الركوع والسجود صلاة وبيناه هنالك بيانا شافيا.

ومال آخرون إلى انطلاق التسمية على الزيادة في نفس الشيء وفيما يقابله انطلاقا متساويا. ويحتج هؤلاء بعموم قوله تعالى: ﴿يمحق الله الربا ويربي الصدقات﴾ (2) وربا عوض الصدقة من الأجور ليس هو نفس الصدقة بل هو زيادة فيما يقابلها، وما هو كالعوض عنها. واحتجوا بما وقع في الحديث من قوله عليه السلام للذي باع صاع بر بصاعين: عين الربا (3). فنص على أن الزيادة فيما يقابل الشيء عين الربا.

شرح التلقين · الجزء ٢ · الصفحة ١٠٨

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

شرح التلقينج ٢ · ص ١٠٨