وقد ذكر ابن أبي زمنين أن الاقتصار على المسافة إنما يصح إذا كان السفر إلى البلد المشترط القضاء به في البر، وأما إن كان في البحر لا يصح ذلك فيه، ولا ترتفع الجهالة بذكر المسافة، إذ هو بحكم الريح، ولا يدري المدة التي يصل فيها.
وإذا تقرر عندك أن النكتة التي تدور عليها هذه المسائل اعتبار العوائد في الشروط فإنه قد يتفق الدنانير والدراهم أغراض في البلد المشترط، فيجب حينئذ الاقتصار عليه كالعروض. وهذه الأغراض ذكرها على الجملة أولى من تفاصيلها؛ لأنها قد تنضبط البواعث على هذه الأغراض. وإذا وجب الاقتصار على البلد المشترط فحال دونه مخالف، وانقطعت سبله، فإن هذا قد يجري على ما قدمناه لك فيمن أسلم في ثمرة فانقطع إبانها هل له الفسخ أم لا؟ ولو ثبت الدين في الذمة، وحل أجله، وتعين مكانه، فبذله من هو عليه، فقال الطالب: لا آخذ، لأني إن أخذته أخذ مني بالبلد العالية (2). وقال من هو عليه: وأنا أتخوف أيضا إن أخذته (3) أن تأخذه مني يد عادية. فإن هذا حق من هو عليه أن يبرأ منه، ولا يلزمه صيانة مال مسلم بإتلاف ذلك المال من مال نفسه. لكن
لو لم يتخوف من عليه الدين من أن يطلبه اليد العالية (1)، فإن بعض أشياخي مال إلى أنه من حقه التعجيل.
وهذا فيه نظر، لأنه إذا لم تكن عليه مضرة في تأخير قضائه صار (2) بذلك المطالبة مع كونه يؤخذ منه ظلما، كإتلاف مال مسلم مع القدرة صيانة (3). لكن لو لحقته في هذه مضرة كان هذا في موضع الترجيح. وقد ذكر في المدونة الحميل بالوجه إذا سلمه من تحمل به في موضع لا تأخذه الأحكام أنه لا يبرأ لكونه تسليما لا يفيد. وإذا تعين القضاء بالبلد المشترط، فإنه يكلف من عليه الطلب الخروج لقضاء ما عليه، إذا بقي من الأجل مقدار ما يصل إلى البلد فيه.
ولا يمكن من ترك الخروج إلى زمن لو خرج فيه لم يدرك البلد إلا بعد الأجل. ولكنه لو أراد أن يوكل وكيلا فخرج للقضاء عنه فإن ابن القاسم أجاز هذا، ومنعه سحنون، وأشار إلى أنه كالحوالة على ذمة آخر بدين لم يحل. وهذا لا يتجه لأن الوكيل إنما يخرج على أن الدين باق في ذمة موكله، على حسب ما كان عليه الأمر حين التعاقد، ويكلف موكله أن يعطيه من الثمن ما بقي لقضاء ما عليه، إذا وصل إلى البلد المشترط، أو يتحمل ذلك الوكيل، فإن الحمالة تصح بما لم يحل من الدين، لكون المتحمل عنه لا تبرأ ذمته بالحمالة، بخلاف الحوالة بما لم يحل. وقد ذكر في الكتاب أن من عليه دين مؤجل وأراد سفرا، فإنه يعتبر سفره: فإن كان إلى مسافة يعود من سفره قبل حلول الأجل مكن من ذلك، وإن لم يمكن أن يعود إلا بعد الأجل لم يمكن من ذلك. وذكر ابن القاسم في غير المدونة أنه يحلف أن يعود قبل الأجل. واشترط بعض الأشياخ أن يكون من أهل التهم حتى يتجه تعلق هذه اليمين به، وهذا فصل كنا أمليناه فيما تقدم، ولم نذكر ذلك حتى فرغنا من إملائه.