تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وأنكر بعض الأشياخ هذه الطريقة القياسلكها البغداديون أن تكون هي

طريقة المذهب، واحتجوا بما ذكرناه عن كتاب ابن المواز من اختلاف قول مالك في الشاة الكسير إذا بيعت باللحم، ولو كانت صحيحة مما يبقى لم يختلف قوله في تحريم بيعها باللحم، فاقتضى ذلك أن التحريم فيما يبقى آكد منه في مثل هذه التي هي كسير وشارف.

والجواب عن السؤال الثاني أن يقال:

أما الظواهر الواردة في هذا فقوله تعالى: ﴿وأحل الله البيع وحرم الربا﴾ (1) وقوله ﴿لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل إلا أن تكون تجارة عن تراض منكم﴾ (2) فإن قلنا: إنه يتصور الربا في بيع شاة بلحم من جنسها صار قوله تعالى: "وحرم الربا" يخصص بقوله: "وأحل الله البيع" وإن قلنا: لا يتصور في هذا الربا لكون الحي الذي يبقى كالعروض، ولجواز بيع شاة بشاتين ولا يقدر ذلك من الربا الممنوع، واحتجنا إلى تخصيص هذا العموم إما بأثر وإما بقياس: فأما الأثر فإن مالكا روى في الموطأ عن زيد بن أسلم عن سعيد ابن المسيب "أن النبي عليه السلام نهى عن بيع الحيوان باللحم" (3) وذكر مالك أيضا عن داود بن الحصين أن ابن المسيب قال: ذلك ميسر الجاهلية (4)؛ ورواية غير مالك: ذلك ربا الجاهلية وذكر عن أبي الزناد أنه قال: كان من أدركت من الناس ينهون عن ذلك، ويكتب في عهود العمال كأبان بن عثمان وهشام بن إسماعيل (5)، فإن قيل: هذا الحديث مرسل؛ لأن ابن المسيب تابعي لم يلق النبي - صلى الله عليه وسلم -. قلنا: أبو حنيفة يقول بالمراسيل، فهذا الحديث حجة عليه على أصله، وإن كان مرسلا. لكنه يبقى ها هنانظر آخر وهو تخصيص عموم القرآن بأخبار الآحاد، وذلك فيه خلاف بين أهل الأصول، فإن لم يقل بالمراسيل،

وقلنا بها ولم نقل بتخصيص عموم القرآن بأخبار الآحاد، فإن هذا الحديث لا حجة لنا فيه، وإن قلنا بقبول المراسيل وتخصيص عموم القرآن بأخبار الآحاد كان في هذا الحديث حجة على أبي حنيفة. وقد احتج الشافعي فقال: أنا مالك عن زيد بن أسلم، وساق الحديث. وقد اعترض عليه بأنه لا يقول بالمراسيل، واعتذر عنه بأن الصديق رضي الله عنه منع من بيع اللحم بالحيوان. وقال الشافعي: لم يختلف حينئذ. وأشار (إلى بقوله) (1) بما روي عن الصديق، وعلى أن الذي روي عن الصديق قدح في التعلق به أيضا، لأن المروي عنه، رضي الله عنه، أنه قسم جزورا عشرة أجزاء، فأتى رجل بشاة، فقال: يباع مني جزء بهذه فقال الصديق: لا يصلح ذلك. فقيل: يمكن أن يكون هذا الجزور من إبل الصدقة، وقسمها قسمة الصدقة، والصدقة لا يحل بيعها، فلهذا قال: لا يصلح ذلك. وهذا وإن قيل: إن الظاهر غيره، فإنه تأويل ممكن. واعتذر عن الشافعي أيضا (بأنه رأى أن طرق الاعتبار تمنع من هذا بقوي المراسيل عنده فلهذا قبله) (1).

وقيل أيضا: إنما احتج بهذا في الزمن الذي يقول فيه بقبول مراسيل سعيد بن المسيب. وأما أصحابنا وأصحابه ما في التعلق بالحديث المرسل من الاختلاف، ذكروا أيضا أن الحديث من طريق آخر. فقال: إن ابن المسيب رواه عن أبي هريرة عن النبي - صلى الله عليه وسلم - وذكر أيضا في بعض الطرق أن مالكا رواه عن سهل بن سعد الساعدي عن النبي - صلى الله عليه وسلم -. ولكن قال بعض المتأخرين: لا أعلمه متصلا من طريق ثابت. واستنكروا ما روي من طريق مالك عن سهل بن سعد الساعدي. فإن ثبت هذا الاتصال عول عليه، وإن لم يثبت فقد ذكرنا وجه التعلق برواية مالك في الموطأ على مذهب الأصوليين.

والجواب عن السؤال الثالث أن يقال:

ذكر ابن القاسم معنى الحديث الوارد في هذا، وعلته المزابنة. ولكنه لم يطرد هذا التعليل فيجيز بيع اللحم بالحيوان إذا تبين الفضل، كما ذكر بعض الأشياخ أن من علل بالمزابنة يقتضي تعليله جواز بيع اللحم بالحيوان إذا تبين

شرح التلقين · الجزء ٢ · الصفحة ١٠٥

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

شرح التلقينج ٢ · ص ١٠٥