29.51-59
ثم قال عز وجل: ﴿ أو لم يكفهم أنا أنزلنا عليك الكتب ﴾ يعني القرآن فيه خبر ما مضى وخبر ما يكون أو لم يكفهم هذا علامة، ويقال: أو لم يكفهم أنهم فصحاء فجاءهم بالقرآن الذي أعجزهم عن ذلك وقال الزجاج كان قوم من المسلمين كتبوا شيئا عن اليهود فأتوا به النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -
" كفى هذا حماقة قوم أو ضلالة قوم أن يرغبوا عما أتاهم به نبيهم إلى ما أتى به غير نبيهم "
فقال عز وجل: ﴿ أولم يكفهم أنا أنزلنا عليك الكتب ﴾ ﴿ يتلى عليهم إن فى ذلك لرحمة ﴾ يعني في هذا القرآن لنعمة لمن آمن به ﴿ وذكرى ﴾ أي موعظة ويقال تفكر ﴿ لقوم يؤمنون ﴾ يعني يصدقون بالقرآن فقال له كعب بن الأشرف فقد كان قدم مكة من يشهد لك أنك رسول الله إن لم يشهد لك فنزل ﴿ قل كفى بالله بينى وبينكم شهيدا ﴾ بأني رسول الله ﴿ يعلم ما فى السموات والأرض والذين ءامنوا بالبطل ﴾ يعني بالصنم ويقال بالشيطان ويقال بالطاغوت وهو كعب بن الأشرف ﴿ وكفروا بالله ﴾ يعني جحدوا وحدانية الله ﴿ أولئك هم الخسرون ﴾ يعني المغبونين في العقوبة، ويقال: خسروا حيث استوجبوا لأنفسهم العقوبة ثم قال عز وجل ﴿ ويستعجلونك بالعذاب ﴾ وذلك أنهم قالوا ائتنا بعذاب الله يقول الله عز وجل ﴿ ولولا أجل مسمى ﴾ أي لولا الوقت الذي وقت لهم ﴿ لجاءهم العذاب وليأتينهم بغتة ﴾ يعني فجأة ﴿ وهم لا يشعرون ﴾ بنزول العذاب ﴿ يستعجلونك بالعذاب وإن جهنم لمحيطة بالكفرين ﴾ يعني جعلت لهم النار تحيط بهم قوله عز وجل ﴿ يوم يغشهم العذاب ﴾ يعني يعلوهم ﴿ من فوقهم ومن تحت أرجلهم ويقول ذوقوا ما كنتم تعملون ﴾ قرأ ابن كثير وابن عامر وأبو عمرو، ونقول ذوقوا بالنون يعني نقول لهم نحن ذوقوا وهي حكاية عن الله سبحانه وتعالى بلفظ الجماعة وهو لفظ الملوك وقرأ الباقون بالياء يعني يقول الله عز وجل ويقال وتقول لهم الخزنة ذوقوا ما كنتم تعملون يعني جربوا عقوبة ما كنتم تعملون في الدنيا ثم قال عز وجل ﴿ يعبادي الذين آمنوا ﴾ قرأ حمزة والكسائي وأبو عمرو بسكون الياء وقرأ الباقون بنصب الياء وقرأ ابن عامر وحده ﴿ إن أرضى واسعة ﴾ بنصب الياء وقرأ الباقون بسكونها، في مثل هذه المواضع لغتان يجوز كلاهما، ومعناه إن أرضي واسعة إذا أمرتم بالمعصية والبدعة فاهربوا ولا تطيعوا في المعصية نزلت في ضعفاء المسلمين إن كنتم يعني إذا كنتم في ضيق من إظهار الإسلام بمكة " فإن أرضي واسعة " يعني المدينة واسعة بإظهار الإسلام وروي عن الحسن عن النبي - صلى الله عليه وسلم - إنه قال:
" من فر بدينه من أرض إلى أرض وإن كان شبرا من الأرض استوجب الجنة وكان رفيق إبراهيم ومحمد عليهما السلام "
وإنما خص إبراهيم لأنه قال
إنى مهاجر إلى ربى
[العنكبوت: 26] ففر بدينه إلى أرض المقدسة وإنما خص محمدا - صلى الله عليه وسلم - لأنه هاجر من مكة إلى المدينة، ويقال: إن القوم كانوا في ضيق من العيش فقال إن كنتم تخافون شدة العيش فإن أرضي واسعة ﴿ فإياى فاعبدون ﴾ أي موحدون بالمدينة علانية، ثم خوفهم بالموت ليهاجروا فقال ﴿ كل نفس ذائقة الموت ﴾ لأنهم كانوا يخافون على أنفسهم بالخروج فقال لهم: لا تخافوا فإن ﴿ كل نفس ذائقة الموت ثم إلينا ترجعون ﴾ في الآخرة فيجازيكم بأعمالكم قرأ عاصم في رواية أبي بكر يرجعون بالياء بلفظ المغايبة على معنى الخبر عنهم وقرأ الباقون بالتاء على معنى الخطاب لهم ثم قال عز وجل ﴿ والذين ءامنوا وعملوا الصلحات ﴾ يعني صدقوا بالله ورسوله وعملوا الصالحات يعني الطاعات وهاجروا فسمى الهجرة من الأعمال الصالحة لأنها كانت فريضة في ذلك الوقت ﴿ لنبوئنهم ﴾ يعني لننزلنهم ولنسكننهم ﴿ من الجنة غرفا ﴾ يعني غرفا من الجنة قرأ حمزة والكسائي لنثوينهم بالثاء وقرأ الباقون لنبؤنهم بالياء، فمن قرأ بالثاء فهو من ثويت بالمكان يعني أقمت به كقوله