قلت: قصد أبو داود من أدرك أيوب وسمع منه، ومن ذكرناهم ممن سمع من الجريري قبل الاختلاط قد سمعوا أيضاً من أيوب، وأراد أبو داود أن يبيّن أنهم قدماء، وأما خالد الطحان فنعم قد أدرك أيوب (ت131هـ)، ولكنه لم يسمع منه! وهو واسطي، وكان عمره (21) سنة لما مات أيوب، وكان طالب العلم يتشبع من حديث بلده ثم يرحل، ولهذا لما سُئِل الإمام أحمد عن سماع خالد من الجريري قبل الاختلاط أجاب بعدم معرفته؛ فلو كان سمع منه قبل الاختلاط لشاع ذلك وعرفه أحمد، والأقرب أنّ خالد الطحان سمع من الجريري بعد الاختلاط، أي بعد سنة (141هـ)، والله أعلم.
· الأحاديث التي أخرجها البخاري ومسلم لخالد الطحان عن الجريري:
أخرج البخاري لخالد الطحان عن الجريري أربعة أحاديث:
الحديث الأول: قال البخاريّ في «صحيحه»، باب: كم بين الأذان والإقامة، ومن ينتظر الإقامة، (1/ 127): حدثنا إسحاق الواسطي - هو: إِسْحَاقُ بنُ شَاهِينٍ-، قال: حدثنا خالد، عن الجريري، عن ابن بريدة، عن عبدالله بن مغفل المزني: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «بين كل أذانين صلاة، ثلاثا لمن شاء».
وهذا الحديث رواه عن الجريري أيضاً جماعة، منهم: عبدالأعلى (أخرجه مسلم في صحيحه: 1/ 53)، وابنُ عُليَّة (أخرجه أبو داود في سننه: 2/ 26)، ويزيدُ بن هارون (أخرجه الدارمي في سننه: 2/ 903)، ويَزيد بن زُرَيع (أخرجه الدارقطني في سننه: 1/ 501)، وأبو أسامة حمّاد بن أسامة (أخرجه الدارقطني في سننه: 1/ 501).
قلت: فهذا الحديث قد رواه جماعة عن الجريري وأغلبهم من سمع منه قبل الاختلاط إلا فيما قيل عن يزيد بن هارون، فبعض أهل العلم يرون أنه روى عنه بعد الاختلاط كما قال ابن معين.
وقد حدّث الجريري بهذا الحديث بعد الاختلاط فوهم فيه، فنبّه عليه فرجع إلى الصواب.
قال الفلاّس: سمعت يحيى بن سعيد يقول: أتيت الجريري فسمعته يقول: حدثنا ابن بريدة عن عبدالله بن عمرو، قال: (بين كل أذانين صلاة). فلما خرجت قال لي رجل: إنما هو عن عبدالله بن مغفل!! فرجعت إليه فقلت له، فقال: "عن عبدالله بن مغفل". [ضعفاء العقيلي:2/ 99].
وعلى كلّ حال، فالحديث صحيح عن الجريري، وهو متابع فيه أيضاً، تابعه كَهمس بن الحسن.
أخرجه البخاري في «صحيحه»، باب: بين كل أذانين صلاة لمن شاء، (1/ 128) عن عبدالله بن يزيد، قال: حدثنا كهمس بن الحسن، عن عبدالله بن بريدة، عن عبدالله بن مغفل، قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: «بين كل أذانين صلاة، بين كل أذانين صلاة»، ثم قال في الثالثة: «لمن شاء».
وأخرجه مسلم أيضاً في «صحيحه» (1/ 573) عن أبي بكر بن أبي شيبة، عن أبي أسامة ووكيع، عن كهمس، به.
وكانَ كهمس بن الْحسن هُوَ والجريري فِي مَسْجِدٍ وَاحِدٍ، وكانا يذهبان للسماع من بعض الشيوخ مع بعضهما كعبدالله بن بُريدة، وعليه فإنّ الحديث إذا رواه كهمس عن شيخ وشاركه الجريري فيه، فنقدِّم رواية كهمس على الجريري إذا كان هناك اختلاف على الجريري، فالرواية الصحيحة عنه ما وافقت رواية كهمس.
فقد روى الجريري، وكهمس بن الحسن، عَبْدِاللَّهِ بنِ بُرَيْدَةَ، عن عائشة، قلت: يا رسول الله ما أقول إذا صادفت ليلة القدر؟ قال: قولي: اللهم إنك عفو تحب العفو فاعف عني.
أما كهمس فرواه عنه بهذا الإسناد جماعة منهم: خالد بن الحارث وجعفر بن سليمان ووكيع والنضر ومحمد بن جعفر.
ورواه عليّ بن غراب، عن كهمس، عَنْ عَبْدِاللَّهِ بنِ بُرَيْدَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عن عائشة، ووهم في قوله عن أبيه. والصحيح عن ابن بريدة، عن عائشة.
وأما الجريري، فرواه أيضاً عن ابن بريدة عن عائشة، رواه عنه يزيد بن هارون وخالد الطحان.
ورواه عنه الثوري، واختلف عنه؛ فقال إسحاق الأزرق: عن الثوري، عن الْجُرَيْرِيُّ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُرَيْدَةَ، عَنْ عائشة.