وتقريباً للموضوع إلى أذهان القراء لا بد من إخراج الحديث من الطرق الثلاث التي ضعفها الشيخ الفاضل، لتتمثل لهم الحقيقة بأجلى صورة؛ ذلك لأني كنت أخرجته يومئذ مختصراً ومعزواً لبعض كتبي، دون أن أسوق طرقه، فأقول:
الأولى: عن يحيى بن أيوب عن يزيد بن أبي حبيب عن عبدالرحمن بن شماسة عن زيد بن ثابت.
أخرجه الترمذي (3949) وأحمد (5/ 185) وابن أبي شيبة (5/ 325)، والحاكم (2/ 229)، والطبراني في "المعجم الكبير" (5/ 175 - 176)، وابن عساكر في "تاريخ دمشق" (1/ 112 - 113 طبع دمشق) من طريق يحيى بن إسحاق السيلحيني وجرير بن حازم كلاهما عن يحيى بن أيوب به.
الثانية: عن ابن لهيعة عن يزيد بن أبي حبيب به.
أخرجه أحمد (5/ 324) والفَسَوي في "المعرفة" (2/ 301) والطبراني (5/ 176/4934) وابن عساكر أيضاً (1/ 114 و 115) من طرق منها عبد الله بن وهب عنه. وقرن الفَسَوي وابن عساكر مع ابن لهيعة عمرَو بن الحارث، وأشار إلى ذلك ابن حبان في روايته الآتية.
الثالثة: عمرو بن الحارث - وذكر ابن سلم آخر معه - عن يزيد بن أبي حبيب به.
أخرجه ابن حبان في "صحيحه" (1/ 574/2311 - موارد) من طريق ابن وهب أيضاً: أخبرني عمرو بن الحارث ..
وابن سلم هو عبدالله بن محمد المقدسي، شيخ ابن حبان في هذا الحديث، وهو ثقة، والآخر الذي يشير إليه هو ابن لهيعة كما صرحت بذلك رواية الفسوي وابن عساكر المذكورة قبله. وقد أخرجه الطبراني (رقم 4925) وابن عساكر عن عمرو بن الحارث وحده.
فأنت ترى - أيها القارئ الكريم- أنه لقد اتفق هؤلاء الثلاثة: يحيى بن أيوب، وعبدالله بن لهيعة وعمرو بن الحارث على رواية الحديث عن يزيد بن أبي حبيب بسنده الصحيح الذي لا خلاف فيه، فلو فرض أنهم جميعًا ضعفاء في الحفظ لما تردد من شم رائحة هذا العلم الشريف في تصحيح حديثهم إعمالاً لقاعدة تقوية الحديث بالمتابعات والطرق، فكيف وثلاثتهم ثقات على التفصيل المتقدم؟! فكيف وقد صححه من تقدم ذكرهم من الأئمة؟!
فأرجو مخلصًا أن يعتبر بهذا البحث والتحقيق أولئك الناشئون المتهافتون على الرد عليّ لخطأ يبدو لهم، ويسودون في ذلك الصفحات، ويؤلفون الرسائل، ويطلعون على الناس بردود فجة لا علم فيها، والمثال قريب بين يديك.
وإذا كان هذا حال هذا الشيخ الفاضل، فكيف يكون حال سبطه المسمى بـ "خالد المؤذن" في مؤلفه الذي أسماه بـ "إقامة البرهان على ضعف حديث (استعينوا على إنجاح الحوائج بالكتمان)، وفيه الرد على العلامة الشيخ ناصر الدين الألباني"؟! وقد ذكر في مقدمته (ص 17) أنه عرضه على جمع سماهم، أشهرهم أحسن ما يقال فيه أنه لم يُعرف، ولم يشتهر بهذا العلم، ومنهم الشيخ الفاضل، وذكر أنه جده من جهة أمه، وقال عنه: "فلما نظر فيه استحسنه، وشجعني على نشره"!
فما قيمة استحسانه رحمه الله، وقد عرفتَ مبلغه من العلم؟! بل إن العاقل اللبيب ليستشعر معي مبلغ قيمة هذا المستحسَن من هذا المستحسِن!!
وليس غرضي الآن الرد على هذا السِّبط في "إقامته" وبيان ما فيه من الجهل بهذا العلم، وتناقضه في الحكم، واتباعه للهوى، فذلك له مكان آخر إن شاء الله تعالى. وإنما أريد أن ألفت النظر إلى الفرق بين الجد والسبط من الناحية الأخلاقية، فالجد -رحمه الله- قنع بالرد علي كتابةً مع الثناء البالغِ كما سترى فيما يأتي تحت الحديث: (طوبى .. )، لم يُرِدْ بذلك تظاهرًا وشهرة بالرد على الألباني، وأما السبط فسلك غير سبيل جده، حبًا في الظهور، وقديمًا قالوا: حب الظهور يقصم الظهور، فلم يراسلني ويطلعني على وجهة نظره، بل سألني هاتفيًا عدة أسئلة أجبته عليها بكل صراحة، كما حكى ذلك هو نفسه في "الإِقامة" (ص 11 - 13)، ثم نشره على الناس بذلك العنوان الضخم: " .. وفيه الرد على العلامة الشيخ ناصر الدين الألباني"!