تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

والمعنى أن أهل الكتاب وجودهم كان استثنائياً في أرض العرب، يطوفون من مكان لمكان، ولا يستقرون في مكان.

قال العسكري في «الفروق اللغوية» (ص:278) مبيناً (الْفرق بَين الْجَمَاعَة والطائفة): "أَن الطَّائِفَة فِي الأَصْل الْجَمَاعَة الَّتِي من شَأْنهَا الطوف فِي الْبِلَاد للسَّفر، وَيجوز أَن يكون أَصْلهَا الْجَمَاعَة الَّتِي تستوي بهَا حَلقَة يُطَاف عَلَيْهَا، ثمَّ كثر ذَلِك حَتَّى سميت كل جمَاعَة طَائِفَة، ﴿وإن طائفتان من المؤمنين اقْتَتَلُوا فأصلحوا بَينهمَا﴾، وَلَا خلاف فِي أَن اثْنَيْنِ إِذا اقتتلا كَانَ حكمهمَا هذَا الحكم، وَرُوِيَ فِي قَوْله عز وَجل ﴿وليشهد عذابهما طَائِفَة من الْمُؤمنِينَ﴾ أَنه أَرَادَ وَاحِدًا، وَقَالَ يجوز قبُول الْوَاحِد بِدلَالَة قَوْله تَعَالَى ﴿فلولا نفر من كل فرفة مِنْهَا طَائِفَة﴾ إِلَى أَن قَالَ ﴿لَعَلَّهُم يحذرون﴾، أَي ليحذروا فَأوجب الْعَمَل فِي خبر الطَّائِفَة، وَقد تكون الطَّائِفَة وَاحِدًا".

وأقرب الروايات إلى الصواب في الحديث: لفظ «طائفة»، فهذه طائفة تدور من مكان إلى آخر لا تستقر في مكان، وفي معنى الطائفة الاجتماع والحفظ، وهذا يشعر بالأمان والستر، ففي قوله سبحانه: ﴿وليشهد عذابهما طَائِفَة من الْمُؤمنِينَ﴾ أراد أن يكون هؤلاء حول من يُقام عليهم الحد ستراً وحفظاُ لهم، مع تحقق مقصد إقامة الحد: فشرد بهم من خلفهم.

فهذه الطائفة تحمل همّ الدّين وتقاتل من أجله، وتنصر شريعته، يطوفون في كلّ مكان، فما من مكان فيه جهاد إلا أتوه وقاتلوا لإعلاء كلمة الله سبحانه، تتردد هنا وهناك، تبدأ في مكان وتعود إليه كما في الطواف حول الكعبة، وكما في قوله صلى الله عليه وسلم في الهرّة: «إِنَّهَا لَيْسَتْ بِنَجَسٍ، هِيَ مِنَ الطَّوَّافِينَ، أَوِ الطَّوَّافَاتِ».

وهذا لا يعني أن هذه الطائفة تنتقل كلها من مكان إلى آخر بحيث لا تبقى في المكان الذي كانت فيه من قبل، وإنما قد تكون طائفة هنا، وطائفة هناك، وكذلك يكون لها من ينصرها ممن هم على نهجها دون مباشرة القتال، فكلهم على نهج واحد = نصرة الدِّين.

وعلى هذا المعنى تفسير بعض أهل العلم، فقيل في معنى الحديث: إن شوكة أهل الإسلام لا تزول بالكلية، فإن ضعُف أمره في قطر، قام وعلا في قطر آخر، وقام بإعلائه طائفة من المسلمين حتى يقاتل آخرهم الدجال. وقيل: المراد به طائفة من المسلمين من المغرب أو الشام أو الحجاز لا تزال فيهم بقية الذبّ عن دينهم، والتمسك به وإن انفردوا وخالفهم الغير، والمراد ببقاء ظهورهم على الحق إلى أن تقوم الساعة ظهور حجة ودليل في الغالب.

وهذا هو منطوق الحديث، فهناك طائفة تبقى على الحقّ تدافع عنه في كل زمان ومكان إلى أن تقوم الساعة، ولا يضرها من خالفها، ومفهوم ذلك أنهم قلّة في مقابل من يخالفهم ويقف ضدهم.

فالمراد بالحديث طائفة من المسلمين من الشام والحجاز ومصر والعراق والمغرب وغيرها من الأماكن، علماء وغيرهم، لا تزال فيهم بقية الذبّ عن دينهم، والتمسك به وإن انفردوا وخالفهم الغير، وهم الذين يقارعون الأعداء بسيوفهم، ومناصروهم بكتاباتهم والذبّ عنهم، والمراد ببقاء ظهورهم على الحقّ ظهور حجتهم وقوتها إلى أن تقوم الساعة.

واجتماع هؤلاء من أماكن مختلفة يُجسد اللُحمة المسلمة والعقيدة الواحدة = عقيدة التوحيد التي بُعث من أجلها الأنبياء، فيقدّمون أرواحهم في سبيل هذه العقيدة سائرون على نهج الأنبياء وأتباعهم.

وكتب: خالد الحايك.

أرشيف موقع الدكتور خالد الحايك · الصفحة ١٤٨٦

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

أرشيف موقع الدكتور خالد الحايكص ١٤٨٦