وقد تابعه على هذا عبدالله بن يزيد المقرئ، ولم يذكرهما.
أخرج إسحاق بن راهويه في «مسنده» (1/ 347) قال: أَخْبَرَنَا المُقْرِئُ، قال: حدثنا مُوسَى بنُ عَلِيٍّ، عَنْ أَبِيهِ، قالَ: «خَرَجْتُ حَاجًّا فَأَوْصَانِي سُلَيْمُ بنُ عَنْز، وَكَانَ قَاضِيًا لِأَهْلِ مِصْرَ فِي وَلَايَةِ عَمْرِو بنِ الْعَاصِ وَمَنْ بَعْدَهُ إِلَى أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ السَّلَامُ، وَقَالَ: إِنِّي اسْتَغْفَرْتُ الْغَدَاةَ لِأَبِيهِ وَلِأُمِّهِ، فَلَقِيتُ أَبَا هُرَيْرَةَ بِالْمَدِينَةِ فَأَبْلَغْتُهُ، فَقَالَ: وَأَنَا اسْتَغْفَرْتُ الْغَدَاةَ لَهُ وَلِأَهْلِهِ، ثُمَّ قَالَ: كَيْفَ تَرَكْتَ أُمَّ خَنُّورٍ؟ تُرِيدُ مِصْرَ، فَدَنَوْتُ مِنْ رِفَاعِيَّتِهَا وَحَالِهَا، فَقَالَ: أَمَا إِنَّهَا مِنْ أَوَّلِ الْأَرْضِينَ خَرَابًا، ثُمَّ عَلَى إِثْرِهَا أَرْمِينِيَّةُ قَالَ: فَقُلْتُ لَهُ: سَمِعْتَ ذَلِكَ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؟ قَالَ: أَوْ مِنْ كَعْبٍ ذُو الْكِتَابَيْنِ».
وأخرجه ابن عبدالحكم في «فتوح مصر» (ص:260) مختصراً من طريق أخرى، قال: أخبرنا أبو الأسود النضر بن عبدالجبّار، قال: حدثنا ابن لهيعة، عن الحارث بن يزيد، عن عليّ بن رباح قال، قال لي سليم بن عنر: «إذا لقيت أبا هريرة فأقرئه منّي السلام، وأخبره أني قد دعوت له ولأمّه، فلقيته فأخبرته، فقال: وأنا قد دعوت له ولأمّه».
قلت: فتبيّن أن عبدالله بن صالح كاتب الليث قد أصاب في الحديث وتوبع عليه، وأن الذي من كلام كعب هو حديث خراب مصر وأرمينية، لا حديثنا الذي أعلّه الشيخ شعيب ورفاقه بهذا!!
فحديث الحاكم معلول بهذه الزيادة التي فيه وهي لا توجد أصلاً في حديث عبدالله بن صالح كاتب الليث، وما جاء فيه: "قالَ: أَمَا إِنَّهَا أَوَّلُ الْأَرْضِ خَرَابًا، ثُمَّ أَرْمِينِيَةُ، قُلْتُ: سَمِعْتَ ذَلِكَ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؟ قالَ: لا، ولكِنْ، حَدَّثَنِي عَبْدُاللَّهِ بنُ عَمْرِو بنِ العَاصِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، قالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، يَقُولُ: «إِنَّهَا تَكُونُ هِجْرَةٌ ... ".
يخالف ما جاء في الطريق الآخر عن كاتب الليث ومتابعة المقرئ له: " فقال: أَمَا إِنَّهَا مِنْ أَوَّلِ الْأَرْضِينَ خَرَابًا، ثُمَّ عَلَى إِثْرِهَا أَرْمِينِيَّةُ قَالَ: فَقُلْتُ لَهُ: سَمِعْتَ ذَلِكَ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؟ قَالَ: أَوْ مِنْ كَعْبٍ ذُو الْكِتَابَيْنِ» ".
والعهدة في هذه الزيادة إما على الحاكم أو على شيخه، فكأنه دخل لأحدهما حديث في حديث نتيجة خلط ربما وقع في النّسخ؛ لأن هذا الحديث هو نفسه حديث شهر، وشهر يرويه عن عبدالله بن عمرو بن العاص، ولا دخل لأبي هريرة بهذه الرواية.
وشيخ الحاكم الذي لم يقف له الشيخ الألباني على ترجمة قد ترجم له الذهبي في «سير أعلام النبلاء» (15/ 519) قال: "الشيخ، المسند الأمين، أبو الحسن أحمد بن محمد بن عبدوس بن سلمة العنزي، النيسابوري، الطرائفي. سمع: محمد بن أشرس، والسري بن خزيمة، وارتحل إلى عثمان بن سعيد الدارمي، فأكثر عنه.
حدث عنه: أبو علي الحافظ، وأبو الحسين الحجاجي، والحاكم، وابن محمش، والسلمي، ويحيى بن المزكي، وآخرون.
قال الحاكم: كان صدوقاً. قال لي: أقمت ببغداد سنة أربع وثمانين ومائتين على التجارة، فلم أسمع بها شيئاً.
قال: وتوفي في رمضان سنة ست وأربعين وثلاث مائة، وصلى عليه أبو الوليد الفقيه".
قلت: فقد نسبه الذهبي (العنزي) وكان ينبغي للشيخ الألباني وغيره أن لا ينسبوا إلى الذهبي أنه نسبه (العنبري)! فالتحريف من النسخ.