وقد يفهم البعض أنه لا خلاف بين اللفظين؛ لأن كل ذلك يرجع إلى ولي الأمر، سواءً ما يُرى منه أم ما يأمر به، وفيه نظر، سيما إذا استطعنا ترجيح لفظ على آخر بالأدلة.
والذي يترجّح على قواعد الأئمة النقاد روايات أهل الشام، وقد بينت العلل في ألفاظها، والصواب ما جاء فيها موافق لرواية الوليد بن عبادة عن أبيه، وأقربها رواية عمير بن هانئ عن جنادة عن عبادة. وترجيحنا لرواية أهل الشام على غيرها لا يعني تصحيحها، كيف ذلك، وهي منكرة! فلا تصح أي زيادة على حديث الوليد بن عبادة؛ لأن هذه الزيادات منكرة وهي تخدم الحالة السياسية التي كانت سائدة في الشام. ولهذا لم تظهر هذه الزيادة إلا في تلك الأوقات، وإلا فقد حصل هناك اقتتال كثير على الخلافة بعد وفاة عبادة بن الصامت صاحب هذا الحديث الذي توفي سنة (34 هـ)، وكانت بداية الفتن بعد مقتل عثمان – رضي الله عنه – الذي قتل سنة (35 هـ)، وصار اقتتال بعد ذلك بين علي – رضي الله عنه – والخوارج، ولم يعرف الناس هذه الزيادة في تلك المرحلة، وإنما ظهرت وأمثالها في أيام معاوية وما بعدها.
فيبقى الحديث الصحيح دون زيادة إلى قوله صلى الله عليه وسلم: «ولا تنازع الأمر أهله»، أي عدم منازعته صلى الله عليه وسلم في هذا الأمر، ولا يتفق ذكر «الكفر البواح» مع شروط البيعة إذ المُبايَع هو النبي صلى الله عليه وسلم، فكيف يخرج منه الكفر!!! فهم يبايعونه على السمع والطاعة وأن لا ينازعوه في الأمر، فكيف يقول: «إلا أن تروا كفراً بواحاً عندكم من الله فيه برهان»!! وهل يخرج الكفر ممن جاء يحاربه ويدعو للتوحيد!!
والزيادة التي في حديث ابن وهب: «إلا أن تروا كفراً بواحاً عندكم من الله فيه برهان» قد بينا فيما مضى أنها جاءت في الرواية مفصولة عن الحديث كما هو في حديث الوليد بن عبادة، وهذا يؤيد أنها ليست في أصل حديث جنادة، والله أعلم.
وعبادة بن الصامت – رضي الله عنه - شهد البيعتين بالعقبة الأولى والثانية، فالبيعة الأولى بالعقبة، بايعهم النبي صلى الله عليه وسلم بيعة النساء إلى السمع والطاعة في العسر واليسر والمنشط والمكره، وأن يقولوا بالحق لا تأخذهم لومة لائم، وأن لا ينازعوا الأمر أهله، والبيعة الثانية بالعقبة على حرب الأحمر والأسود، وضمن لهم بالوفاء بذلك الجنة.
وفي النفس من أن الذي حدث في رواية بكير أنه قد يكون حصل تحريف في كتابه، فأصل الرواية عند الشاميين: "تؤمروا" أو "تؤمر"، فيحتمل أن هذه تحرّفت إلى: "تروا" أو "ترى"، والله أعلم.
وهذه الزيادة في هذا الحديث من الوهم في روايات الأمصار! فإن كانت محفوظة في حديث المصريين والمدنيين فالأقرب أنها من قول عبادة ليست مرفوعة إلى النبيّ صلى الله عليه وسلم، ولفظ الشاميين أقرب للصواب، فيكون عبادة أوصى جنادة بما عليه من السمع والطاعة إلا إذا أُمر بمعصية أو كفر براح مخالف لكتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم، وهذا موافق للأحاديث الصحيحة أنه لا طاعة في معصية.
وهذه الزيادة المختلف فيها لا توجد في حديث الوليد بن عبادة عن أبيه، ولا يوجد خلاف في حديثه، وعنده: « ... وَأَنْ لا نُنَازِعَ الأمْرَ أَهْلَهُ، وَأَنْ نَقُولَ أَوْ نَقُومَ بِالْحَقِّ حَيْثُمَا كُنَّا لا نَخَافُ فِي اللَّهِ لَوْمَةَ لائِمٍ».
فهذا النّص هو الصواب، وكأن ما جاء في الرواية عن جنادة تحريف لهذا النص! ولهذا اختلفوا فيه، ومن هنا أشار سفيان بن عُيينة إلى أن بعضهم زاد: «مَا لَمْ تَرَوْا كُفْرًا بَوَاحًا» دون تعيينه!
فقول الحقّ كان من شروط البيعة، وهذه الزيادة لا تتفق مع ذلك إذ قول الحقّ يكون عند الكفر البواح وغيره، ولا يقتصر على الكفر فقط!
وآخر دعوانا أن الحمد لله ربِّ العالمين.
وكتب: خالد الحايك