قلت: فأشار الإمام أحمد إلى رواية سعيد بن عبدالعزيز التنوخي الدمشقي عن أبي النضر مثل رواية عمير بن هانئ، ليس فيها: «وإن أكلوا مالك وضربوا ظهرك»!
فيكون مدرك قد خالف سعيد بن عبدالعزيز، ومخالفته هذه لا يُعتد بها سيما وأن الروايات الأخرى عن جنادة من غير طريق أبي النضر ليس فيها هذه الزيادة كرواية عُمير بن هانئ، وهي رواية صحيحة لا أعرف لها علة.
فرواية عمير بن هانئ عن جنادة ليس فيها: «إِلاَّ أَنْ تَرَوْا كُفْرًا بَوَاحًا عِنْدَكُمْ مِنْ اللَّهِ فِيهِ بُرْهَانٌ»، كما أنّ رواية المصريين التي أخرجها البخاري ومسلم من حديث جنادة ليس فيها هذه الزيادة: «وإن أكلوا مالك وضربوا ظهرك».
· تصحيح الشيخ الألباني لرواية حيّان أبي النضر!
قال الشيخ الألباني أثناء تحقيقه لكتاب «السنة» حديث رقم (1026) (2/ 492) في حديث هشام بن عمار عن مدرك عن حيّان: "حديث صحيح، ورجاله ثقات على ضعف في هشام بن عمّار، فإنه كان يلقن فيتلقن، لكنه توبع ... والحديث أخرجه ابن حبان: أخبرنا الحسين بن عبدالله بن يزيد القطان – بالرقة – حدثنا هشام بن عمار، به. ثم أخرجه من طريق الهيثم بن خارجة: حدثنا مدرك بن سعيد الفزاري، به. وتابعه سعيد بن عبدالعزيز عن حيان أبي النضر به. أخرجه أحمد: ثنا الوليد بن مسلم ثنا سعيد بن عبدالعزيز. وتابعه بسر بن سعيد عن جنادة به نحوه كما سيأتي برقم (1026). وتابعه جماعة عن عبادة" انتهى.
قلت: قد خلط الشيخ بين هذه الروايات، وهو – رحمه الله – لا يعطي أهمية للاختلاف في المتون والزيادات، وهذا عنده كله من باب زيادة الثقة، وهو يقبلها مطلقاً! وهذا خلاف منهج أئمة النقد المتقدمين، فإنهم يقبلون الزيادات بقرائن.
وهذا الاختلاف على جنادة بن أبي أمية في ألفاظ الحديث ليس من هذه البابة التي يقبلها أهل العلم، لأن هذه الزيادات جاءت مخالفة للصحيح من لفظ الحديث، مع ما بيّناه من علل فيما مضى.
· رواية ابن ثوبان عن عُمير بن هانئ وأصل هذه الزيادة:
بعد أن خرّج الإمام أحمد رواية الأوزاعي عن عمير بن هانئ السابقة أتبعها برواية الوليد بن مسلم قال: حدثني ابن ثوبان – هو: عبدالرحمن بن ثابت بن ثوبان - عن عمير بن هانئ حدّثه عن جنادة بن أبي أمية، عن عبادة بن الصامت، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم مثل ذلك، قال: «ما لم يأمروك بإثم بواحاً».
ورواه ابن أبي عاصم في كتاب «السنة» (2/ 493) عن دُحيم عن الوليد بن مسلم، به. دون الزيادة.
وهذه الزيادة ليست في حديث عمير بن هانئ، وإنما حدّثه بها حُضير السّلمي عن عبادة.
رواه أيضاً الطبراني في «مسند الشاميين» (1/ 141) قال: حدثنا محمد بن أبي زرعة الدمشقي، قال: حدثنا هشام بن عمار [ح].
وحدثنا ابن دُحيم، قال: حدثنا أبي، قالا: حدثنا الوليد بن مسلم، قال: حدثنا ابن ثوبان، قال: حدثني عمير بن هانئ، عن جنادة بن أبي أمية، عن عبادة بن الصامت قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «عليك بالسمع والطاعة في عسرك ويسرك ومنشطك ومكرهك وأثرة عليك ولا تنازع الأمر أهله، وإن رأيت أنه لك».
قال عُمير: فحدثني خضير أو حضير السُّلمي أنه سمع من عبادة بن الصامت عن النبي صلى الله عليه وسلم، وزاد: «إلا أن يأمرك بإثم بواحاً عندك تأويله من الكتاب».
قال خضير أو حُضير: قلت لعبادة، فإن أنا أطعته؟ قال: "يؤخذ بقوائمك فتلقى في النار وليجئ هو فلينقذك".
قلت: ذكره البخاري بالحاء المهملة: "حُضير"، وغيره ذكره بالخاء المعجمة "خُضير"، وغيره وصوبه بالخاء المعجمة: الدارقطني وابن عساكر. (تاريخ مدينة دمشق: 16/ 453).
قال البخاري في «التاريخ الكبير» (3/ 131): "حضير السلمي: سمع كعباً، روى عنه عمير بن هانئ قوله".
وقال ابن عساكر في «تاريخه» (16/ 452): "الخضر، ويقال: خضير بن ربيعة السلمي، روى عن عبادة بن الصامت وكعب بن ماتع الحبر، روى عنه عمير بن هانئ العنسي الداراني، وكان خضير خاصاً بمعاوية، وله دار بدمشق في سوق الخشب".