قلت: فهذا الحديث خرّجه البخاري ومسلم عن الزهري عن سنان بن أبي سنان وأبي سلمة كلاهما عن جابر، فسنان قد توبع عليه، وذكر فيه أنه سمعه من جابر، ولهذا أثبت البخاري له السماع من جابر في ترجمته، وتخريجه لحديثه مقروناً بأبي سلمة – وهو من أقران سنان، ولد سنة بضع وعشرين، ومات سنة أربع وتسعين أو أربع ومائة- من باب التأكيد على صحة الحديث إذ أن أبا سلمة من كبار الثقات، ولولا أن أبا سلمة رواه لما خرّج البخاري رواية سنان وحدها، والله أعلم.
فسنان إذا تفرّد بحديث فلا يقبل منه، وهو يحتاج لمن يتابعه كما هو صنيع الإمامين: البخاري ومسلم، على أن العلّة الحقيقية للحديث هي الانقطاع بينه وبين أبي واقد؛ لأنه لم يذكر سماعاً منه.
والذي يظهر لي أنّه حصل خلطٌ للتشابه بين هذين الحديثين اللذين يرويهما سنان بن أبي سنان! ففي حديث "ذات أنواط" أنهم كانوا في غزوة ومروا بشجرة يعلق عليها المشركون سيوفهم! وفي حديث جابر هذا أنهم كانوا في غزاة، ونَزَلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَحْتَ سَمُرَةٍ – شجرة ذات شوك- وَعَلَّقَ بِهَا سَيْفَهُ.
والذي يظهر لي أن هذه الشجرة هي نفسها الشجرة التي جاءت في حديث جابر، ومن هنا جاء التخليط ربما لسنان فيه!
فالواقدي لما ساق حديث الزهري في "مغازيه" (3/ 891) أتبعه بحديث ابن عباس في الحديث نفسه – وسيأتي في الشواهد-.
قال: حَدّثَنِي ابْنُ أَبِي حَبِيبَةَ، عَنْ داود بن الحصين، عن عكرمة، عن ابن عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، قَالَ: كَانَتْ ذَاتُ أَنْوَاطٍ شَجَرَةً عَظِيمَةً، أَهْلُ الْجَاهِلِيّةِ يَذْبَحُونَ بِهَا وَيَعْكُفُونَ عَلَيْهَا يَوْمً .. وذكره.
قالَ: قَالَ أَبُو بُرْدَةَ بْنُ نِيَارٍ: لَمّا كُنّا دُونَ أَوْطَاسٍ نَزَلْنَا تَحْتَ شَجَرَةٍ وَنَظَرْنَا إلَى شَجَرَةٍ عَظِيمَةٍ، فَنَزَلَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَحْتَهَا، وَعَلّقَ بِهَا رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سَيْفَهُ وَقَوْسَهُ. قَالَ: وَكُنْت مِنْ أَقْرَبِ أَصْحَابِهِ إلَيْهِ. قَالَ: فَمَا أَفْزَعَنِي إلّا صَوْتُهُ: يَا أَبَا بُرْدَةَ! فَقُلْت: لَبّيْكَ! فَأَقْبَلَتْ سَرِيعًا، فَإِذَا رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جَالِسٌ وَعِنْدَهُ رَجُلٌ جَالِسٌ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إنّ هَذَا الرّجُلَ جَاءَ وَأَنَا نَائِمٌ، فَسَلّ سَيْفِي ثُمّ قَامَ بِهِ عَلَى رَأْسِي فَفَزِعْت بِهِ، وَهُوَ يَقُولُ: يَا مُحَمّدُ، مَنْ يُؤَمّنُك مِنّي الْيَوْمَ؟ قُلْت: اللهُ!
قَالَ أَبُو بُرْدَةَ: فَوَثَبْت إلَى سيفي فسللته، فقال ... فذكر الحديث بطوله.
قلت: الظاهر أن قول أبي بردة تابع لإسناد الحديث الذي قبله، وإسناده لا يصح، لكن واضح فيه أن كلا الحديثين اللذين عند سنان بن أبي سنان في حديث واحد هنا، والشجرة نفسها هي التي نزل تحتها النبي صلى الله عليه وسلم وعلق عليها سيفه.
وفي صحيح مسلم (2/ 1079) من حديث أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ: "أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمَ حُنَيْنٍ بَعَثَ جَيْشًا إِلَى أَوْطَاسَ، فَلَقُوا عَدُوًّا، فَقَاتَلُوهُمْ فَظَهَرُوا عَلَيْهِمْ، وَأَصَابُوا لَهُمْ سَبَايَا .. " الحديث.
والظاهر أن حديث ذات أنواط دخل في هذا الحديث، وهذا ما يُفسر وجود الحديثين عند سنان بن أبي سنان! والله أعلم.
·…حديث سنان بن أبي سنان عن أبي هريرة:
خرّج مسلم في "صحيحه" (4/ 1742) (2220) من طريق يُونُس، عن ابن شِهَابٍ: حَدَّثَنِي أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، حِينَ قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «لَا عَدْوَى وَلَا صَفَرَ وَلَا هَامَةَ» فَقَالَ أَعْرَابِيٌّ: يَا رَسُولَ اللهِ فَمَا بَالُ الْإِبِلِ تَكُونُ فِي الرَّمْلِ كَأَنَّهَا الظِّبَاءُ، فَيَجِيءُ الْبَعِيرُ الْأَجْرَبُ فَيَدْخُلُ فِيهَا فَيُجْرِبُهَا كُلَّهَا؟ قَالَ: «فَمَنْ أَعْدَى الْأَوَّلَ؟».