تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

فهل خفيت هذه الروايات عن هؤلاء الجهابذة ثم يعلّوه بالتدليس!!

نقل الدارقطني في "العلل" (8/ 204) عن الإمام أحمد أنه قال: "وَأَخْشَى أَنْ يَكُونَ ابْنُ جُرَيْجٍ دلَّسه عن موسى بن عقبة؛ أخذه من بعض الضعفاء عنه"، ثم قال الدارقطني: "والقول كما قال أحمد".

فهؤلاء ثلاثة من أئمة النقد وجهابذته لم يعتدوا بما جاء مصرحاً بالسماع في بعض الروايات، ويبعد جدًّا أن تخفى عليهم، لكنهم لم يعتدّوا بها.

الثانية: نكارة المتن!

والحديث فيه نكارة واضحة على اعتبار أن أبا واقد شهد بدراً، وفي الحديث أنه أسلم يوم الفتح وقال: "وَنَحْنُ حَدِيثُو عَهْدٍ بِكُفْرٍ"!!!

والراجح عند البخاري وغيره أنه شهد بدراً، وأسلم قديماً، فلا يمكن أن يقول هذا القول وهم في طريقهم إلى حُنين!!

وأبو واقد كما هو ظاهر في الحديث وقد أسلم يوم الفتح بحسب الحديث يتكلم عن نفسه ومن أسلموا حديثاً بأنهم كانوا حديثي عهد بجاهلية، فلا يُقال: إنه عنى غيره، ولم يتحدث عن نفسه!! سيما وهو أسلم معهم كما في هذا الحديث – عند من يقول بصحته-!! فهو يُخبرعن نفسه ومن أسلموا معه بقوله: "ونحن ... " فهو من ضمنهم. وكذلك قوله: "فقلنا ... ".

ثم ما طلبوه – وإن كانوا حديثي عهد بجاهلية- يُنافي أصل التوحيد الذي دخلوا الإسلام به! فما الفرق بين توحيدهم بنبذ الأصنام وتبركهم بتلك الشجرة لو صحّ ذلك عنهم؟!!! كيف وهم قبل إسلامهم يعرفون ما هي دعوة النبي صلى الله عليه وسلم التي جاءت بهدم الشرك بكلّ صوره وهو في مكة ثلاث عشرة سنة!

وكذلك فلا يُعرف أنه كان للمشركين في الحجاز مثل الشجرة التي جاء ذكرها في هذا الحديث!! فالمعروف أن أهل الجاهلية من قريش والقبائل في الحجاز كانوا يعبدون الأصنام فقط، ولا يُذكر أنهم كانوا يعبدون الأشجار أو يتبركون بها ونحو ذلك. ولم يُنقل لنا ذلك إلا في هذا الحديث كما في كتاب الواقدي: "وَكَانَتْ لِكُفّارِ قُرَيْشٍ وَمَنْ سِوَاهُمْ مِنْ الْعَرَبِ شَجَرَةٌ عَظِيمَةٌ خَضْرَاءُ يُقَالُ لَهَا: ذَاتُ أَنْوَاطٍ، يَأْتُونَهَا كُلّ سَنَةٍ يُعَلّقُونَ عَلَيْهَا أَسْلِحَتَهُمْ، وَيَذْبَحُونَ عِنْدَهَا، يَعْكُفُونَ عَلَيْهَا يَوْمًا"! مع أن حالهم في الجاهلية – على شركهم- قد تناقله الصحابة ولم ينقلوا هذا، والله أعلم.

وقد ورد في بعض كتب السيرة بلا إسناد أنه كان لأهل نجران شجرة يعبدونها! وقد يكون صحيحاً، وكلامنا عن قريش والقبائل التي كانت في الحجاز.

الثالثة: تفرّد سنان بن أبي سنان!

·…تشابه بعض ألفاظ الحديث مع حديث آخر رواه سنان بن أبي سنان عن جابر؟

لم أجد أحداً من أهل العلم ضعّف سنان بن أبي سنان صراحةً، إلا ما جاء عرضاً في كلام العقيلي في ترجمة أحد الرواة، وسيأتي الكلام عليه، لكن نصّوا على أنه تفرد بالرواية عنه: الزهري، وهو واحد من الذين انفرد الزهري بالرواية عنهم.

قال ابن سعد في "الطبقات الكبرى" (5/ 249): "سِنَانُ بْنُ أَبِي سِنَانٍ الدُّئِلِيُّ مِنْ أَنْفَسِهِمْ، وَتُوُفِّيَ سَنَةَ خَمْسٍ وَمِائَةٍ وَهُوَ ابْنُ اثْنَتَيْنِ وَثَمَانِينَ سَنَةً. رَوَى عَنْهُ الزُّهْرِيُّ، وَكَانَ قَلِيلَ الْحَدِيثِ".

وقال ابن أبي حاتم في "الجرح والتعديل" (4/ 252): "سنان بن أبي سنان الدؤلي، من أنفسهم، روى عن أبي هريرة وحسين بن علي وجابر بن عبدالله وأبي واقد الليثي، روى عنه الزهري. سمعت أبي يقول ذلك".

وقال ابن حبان في "الثقات" (4/ 336): "سِنَان بْن أَبِي سِنَان الدئلي، وهم حلفاء بني دئل، وَاسم أَبِي سِنَان: يزِيد بْن أُميَّة، يروي عَن أَبِي وَاقد اللَّيْثِيّ وَجَابِر وأَبِي هُرَيْرَة، رَوَى عَنْهُ الزُّهْرِيّ، مَاتَ سنة خمس وَمِائَة وَهُوَ ابن اثْنَتَيْنِ وَثَمَانِينَ سنة، وَكَانَ مولده سنة ثَلَاث وَعشْرين".

أرشيف موقع الدكتور خالد الحايك · الصفحة ١٢٦٨

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

أرشيف موقع الدكتور خالد الحايكص ١٢٦٨