خامساً: قوله: "أَنَّ قَوْلَ مَنْ قَالَ: لَمْ يَسْمَعْ مِنْ أَبِيهِ مُعَارَضٌ بِقَوْلِ مَنْ قَالَ سَمِعَ مِنْهُ، وَمَعَهُ زِيَادَةُ عِلْمٍ وَإِثْبَاتٌ"! هذا فيه نظر!! فمن نفى أنه لم يسمع من أبيه سأله هو نفسه كا تقدّم!! ثم كيف نعارض ما نقل إلينا بأسانيد صحيحة بما روي أنه وجد بخط مالك على ظهر كتاب أنه سمع من أبيه؟!! مع ما بينته من قبل أن مالكاً سأله عن الأحاديث التي حدثه هو بها لا عن كل الأحاديث.
وما نقله معن بن عيسى أنه سمع من أبيه قد رده ابن المديني، ومال إلى أنه إن كان سمع من أبيه فسمع شيئاً يسيراً توفيقاً بين من نفى أنه سمع من أبيه ومن أثبت ذلك، وجعل ذلك على سبيل الاحتمال أيضاً فقال: "لَعَلَّهُ سَمِعَ مِنْهُ الشَّيْءَ اليَسِيرَ"، ثم أتى بالدليل على أنه لم يسمع من أبيه ببحثه عن ذلك وسؤاله، فقال: "وَلَمْ أَجِدْ أَحَدًا بِالْمَدِينَةِ يُخْبِرُنِي عَنْ مخرمة بن بكير أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ فِي شَيْءٍ مِنْ حَدِيثِهِ: سَمِعْتُ أَبِي".
فهل تقاوم هذه الأدلة القوية التي فيها أنه لم يسمع من أبيه بقول معن بن عيسى أو ما وُجد بخط مالك على ظهر كتاب؟!!!
سادساً: وأما قوله: "وَيَكْفِي أَنَّ مالكا أَخَذَ كِتَابَهُ، فَنَظَرَ فِيهِ وَاحْتَجَّ بِهِ فِي مُوَطَّئِهِ"! فهذا لا يكفي! فإن كان كذلك فلم كان يبهمه ويقول: "حدثني الثقة"؟!! وكم حديث احتج به مالك من حديثه في موطئه؟! نعم قال عنه بأنه حدث عنه وقال عنه: "كان رجلاً صالحاً"، ووثقه بعض أهل العلم، ولا ننازع في ثقته، وإنما ننازع في سماعه من أبيه، وهل أتقن الأحاديث التي وجدها في كتب أبيه؟!!
ثم إن قوله: "أخذ كتابه فنظر فيه واحتج به في موطئه"! نقول له: أيّ كتاب؟!! هو كتاب واحد، يعني نظر مالك في كتاب واحد لا في كل كتب بكير كم يوهم كلام ابن القيّم! وهو حديث "سليمان بن يسار".
قَال أَبُو الحَسَنِ الميموني: سمعت أبا عَبدالله يقول: "أخذ مالك كتاب مخرمة بْن بكير، فنظر فيه فكل شيء يقول بلغني عَنْ سُلَيْمان بْن يسار، فهو من كتاب مخرمة".
فهذا أحمد ينصّ على أنه نظر في كتابه عن سليمان بن يسار.
وعلى هذا يُحمل أيضاً ما رواه أبو الوليد الباجي في "التعديل والتجريح لمن خرج له البخاري في الجامع الصحيح" (1/ 440) عن ابن المديني أنه قصد ذلك الكتاب.
قال: حَدثنَا أَحْمد بن مُحَمَّد بن البَراء قَالَ: قَالَ عَليّ بن المَدِينِيّ: "لم يكن بِالْمَدِينَةِ بعد كبار التَّابِعين أعلم من ابن شهَاب وَيحيى بن سعيد الْأنْصَارِيّ وَأبي الزِّنَاد وَبُكَيْر بن عبدالله بن الْأَشَج، أدْرك مَالك بكيراً وَمَا سمع مِنْهُ، وَكَانَ بكير سيء الرَّأْي فِي ربيعَة، وَأَظنهُ تَركه من أجل ربيعَة، وَإِنَّمَا عرف مَالك بكيراً بنظره فِي كتاب مخرمَة بن بكير".
قلت: فمالك نظر في كتاب واحد لمخرمة عن أبيه، وروى منه بعض الأحاديث، فما رواه مالك في كتابه من ذلك الكتاب فهو ما نحمل عليه ما وُجد من خطّ مالك أن مخرمة قال له بأنه سمع تلك الأحاديث من أبيه، وإلا فالأصل أنه لم يسمع منه كما ثبت بالأدلة الصحيحة عن جماعة.
ومن أحاديث سليمان بن يسار التي أشار لها أهل العلم أن مالكاً أخذها من كتاب مخرمة:
ما رواه ابنُ وَهْبٍ، عَنْ مَخْرَمَةَ بْنِ بُكَيْرٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ، عَنْ مَالِكِ بنِ أَبِي عَامِرٍ، عَنْ عُثْمَانَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «لا تَبِيعُوا الدِّينَارَ بِالدِّينَارَيْنِ، ولاَ الدِّرْهَمَ بِالدِّرْهَمَيْنِ».
قال العقيلي في "الضعفاء" (3/ 338): وَمَالِكٌ يَرْوِيهِ فِي المُوَطَّأِ أَنَّهُ بَلَغَهُ عَنْ مَالِكِ بْنِ أَبِي عَامِرٍ، عَنْ عُثْمَانَ، وَلَعَلَّهُ أَخَذَهُ عَنْ مَخْرَمَةَ، وَمَخْرَمَةُ يُقَالُ لَمْ يَسْمَعْ مِنْ أَبِيهِ شَيْئًا".