والذي أَراهُ أن «أبا قتادة» الذي في هذا الحديث ليس هو: «أبو قتادة الأنصاريّ»، وإنما هو: «أبو قتادة العدويّ البصريّ»، وهو تابعيّ كبير.
فإسناد عبدالله بن معبد الزماني البصري وحرملة بن أبي إياس البصري عن أبي قتادة البصري، فحصل وهم في نسبة أبي قتادة، فتتابع العلماء قديماً وحديثاً على هذا الخطأ!
·…قرائن أخرى على أن الحديث مرسل!
وعليه فيكون هذا الحديث مرسل؛ لأن أبا قتادة البصري تابعيّ، ولغة الحديث تشبه لُغَةُ المراسيل، والمراسيل تأتي على ما يشتهيه الناس وما يحبونه؛ فجاء في هذا الحديث كلّ أنواع صوم النوافل، وفي بعضها رتّب أجوراً عليها.
·…لغة المراسيل.
وأقصد بهذا: كيف هي لغة الحديث سواءا ما يتعلق بالألفاظ أو طريقة الكلام.
والحديث المرسل لا يكون بالقوة التي يُروى بها الحديث الصحيح، أو يكون مجموعاً من عدة أحاديث، أو مرويّ بالمعنى أو فهم لبعض الرواة الذين لا يُعرف عنهم شيء في الحديث، فيسمع بعض أهل العلم ذلك الحديث - وهو يظن السلامة في راويه- فيرويه عنه في مجلسه أو يحدِّث به غيره، فينتشر الحديث بين الناس ويشتهر؛ لأن مثل هذا الحديث يشتهيه الناس لما فيه من الأجر العظيم على صيام عرفة وعاشوراء، فلا يتنبهون إلى أصله.
والمراسيل كانت واسعة الانتشار في عصر التابعين قبل انتشار الكذب في الحديث، فكان أهل العلم ينشرون ما يسمعون من أجل حثّ الناس على العمل بما يروونه.
ومما يدلّ على أن هذا الحديث مرسلٌ ما جاء فيه من جمع صيام النوافل جُلّها في هذا الحديث، وهذا لا يكون إلا في مثل هذه المراسيل.
·…حديث «أَرْحَم أُمَّتِي بِأُمَّتِي أَبُو بَكْرٍ ... » أصله مرسلٌ إلا قطعة منه!
ومن النظائر لهذا الحديث المرسل الذي جمع كل أنواع صيام النوافل، والذي لم يكن من هديه صلى الله عليه وسلم، بل هذا لا يوجد إلا في مثل هذه المراسيل حيث تُجمع أحاديث الباب الواحد وما يتعلق به، أو في موضوع واحد: الحديث المشهور الذي يُروى عَنْ أَنَسِ بنِ مَالِكٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «أَرْحَمُ أُمَّتِي بِأُمَّتِي أَبُو بَكْرٍ، وَأَشَدُّهُمْ فِي أَمْرِ اللَّهِ عُمَرُ، وَأَصْدَقُهُمْ حَيَاءً عُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ، وَأَعْلَمُهُمْ بِالحَلَالِ وَالحَرَامِ مُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ، وَأَفْرَضُهُمْ زَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ، وَأَقْرَؤُهُمْ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ وَلِكُلِّ أُمَّةٍ أَمِينٌ وَأَمِينُ هَذِهِ الأُمَّةِ أَبُو عُبَيْدَةَ بْنُ الجَرَّاحِ».
فهذا الحديث يتحدث عن صفات في بعض الصحابة، وأصل الحديث مرسل إلا ما جاء في وصف أبي عبيدة، فهو صحيح مرفوع عن النبي صلى الله عليه وسلم، فدخل المرسل في المرفوع فرفعه بعضهم لتشابه الكلام فيه عن أوصاف الصحابة.
والحديث يُروى عن أبي قلابة واختلف على أصحابه في وصله وإرساله، فبعضهم رواه بهذا الإسناد مرفوعاً، وبعضهم أرسله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم، وبعضهم فصّل فيه، وبعضهم روى المرفوع منه فقط كما أخرجه البخاري في «صحيحه» (5/ 172) (4382) من حديث شُعْبَة، عَنْ خَالِدٍ، عَنْ أَبِي قِلاَبَةَ، عَنْ أَنَسٍ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ: «لِكُلِّ أُمَّةٍ أَمِينٌ، وَأَمِينُ هَذِهِ الأُمَّةِ أَبُو عُبَيْدَةَ بْنُ الجَرَّاحِ».
ويُروى أيضاً عن قتادة عن النبي صلى الله عليه وسلم مرسلاً.
وقد سُئل الدارقطني في «العلل» (12/ 248) (2676) عن هذا الحديث؟ فقال: "يرويه خالد الحذاء، وعاصم الأحول واختلف عنهما:
فأما حديث خالد الحذاء، فرواه إسماعيل ابن علية، عن خالد، عن أبي قلابة مرسلاً.
واختلف عَنِ الثَّوْرِيِّ:
فَرَوَاهُ قَبِيصَةُ، عَنِ الثَّوْرِيِّ، عَنْ خالد، وعاصم، عن أبي قلابة، عن أنس.