تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

الإنساني من وجوه أهمها تربية الأولاد، فإن المربي يجب أن يكون بينه وبين

المربى تقارب وتناسب في السجايا والأخلاق والأفكار والرغائب؛ ليسهل الائتلاف

والامتزاج معه والتقليد له والأخذ عنه بالطبع لا بالتكلف. والمرأة وسط بين

الأطفال وبين الرجال فهي التي تربي البنات كل التربية وتربي الصبية التربية

الأولى التي تعدهم للأخذ عن الرجال والاقتداء بهم. وإذا اشتغل الرجل بتربية

الأطفال، فإنه يعامل الذكران والإناث معاملة الرجال، وفي ذلك خروج بالبنات عن

سنة الفطرة، وذهاب بالصبيان مع الفطرة.

وأما الثاني - وهو كون الحديث حكما شرعيا بمنع ولاية النساء - فهو من

جهة مناسب لاستعداد النساء ولوظيفتهن الفطرية، ومن جهة أخرى مناسب لما كانت

عليه حالة الأمم في ذلك العصر ولا حاجة لإباحته في عصر آخر بل فيه الضرر

المذكور في الوجه الأول وهو التعدي على وظيفة النساء الطبيعية.

ولا يعترض بحال أوربا وكون الدولة الإنكليزية أفلحت في عهد الملكة فيكتوريا

فلاحا ما رأت هي ولا غيرها من الدول مثله؛ لأن فرقا بين أمم أوربا والأمة

الإسلامية، وهو أن الملك فيهم ليس له من الوظائف مثل ما للخليفة عند المسلمين،

فإن الخليفة هو الإمام الديني الذي يصلي بالناس ويخطب فهم ويؤمهم في حجهم عند

حضوره الحج وكل الأئمة والخطباء في البلاد الإسلامية وكل القضاة والمفتين نوابه

ووكلاؤه فهو الذي يقلدهم هذا المنصب بشرط الكفاءة، وإليه يرجعون في مسائل

الخلاف ليفصل فيها، ومن شروط الكفاءة أن يكون القاضي والمفتي في مرتبة

الأئمة المجتهدين في الدين ومعرفة مصلحة المسلمين. ولا يعرف هذا إلا من هو أهله.

وإن فرضنا أن في استعداد المرأة الوصول إلى هذه المرتبة، وأنه لا ضرر في

هذا على النوع الإنساني، فهناك مانع آخر من إمامتها وهو: أنها تكون في طور لا

تصح فيه صلاتها بنفسها؛ فكيف تكون إماما لغيرها؟ ولا يقال: تستنيب؛ لأن من

ليس له الحق بشيء لا يصح أن يستنيب فيه؛ إذ النائب يؤدي وظيفة المنيب، ولا

وظيفة له هنا - هذا بعض ما يقال في المنع من الجهة الدينية المحضة، وثم موانع

أخرى من الجهة الدنيوية وهي كون الخليفة مدير السياسة والحروب ومتولي النظر

في المصالح الداخلية والخارجية، ولذلك اشترطوا أن يكون شجاعا فإن قيل: إن

الإسلام شرع المشاورة في الأمور وجعلها فرضا لازما ومنع الخليفة أن يستبد في

أمر بنفسه، وهذا عين ما عليه الأوربيون في تقييد الملوك بالمجالس النيابية. قلنا:

نعم هذا صحيح، ولكن الإسلام أوجب على الخليفة أن يكون عاملا بالمشاورة لا أن

يكون آلة تجري الأمور باسمه بدون شعور. والكلام في هذا المقال كثير وفيما

ذكرناه غناء للصبر.

ومن موانع القضاء عند الجماهير الرق وحكي عن العترة أنه يصح أن يكون

العبد قاضيا، وكأنهم أخذوا بظاهر الحديث وهو: [4] قال صلى الله عليه وسلم:

(اسمعوا وأطيعوا وإن استعمل عليكم عبد حبشي كأن رأسه زبيبة) وفي رواية:

(اسمعوا وأطيعوا وإن استعمل عليكم عبد يقودكم بكتاب الله) قال القسطلاني في

شرح البخاري: معناه: إن استعمله الإمام الأعظم على القوم، لا أن العبد الحبشي هو

الإمام الأعظم؛ فإن الأئمة من قريش. اه، أو المراد به الإمام الأعظم على سبيل

الفرض والتقدير وهو مبالغة في الأمر بطاعته، والنهي عن شقاقه ومخالفته. اه أي:

ليس المراد به ظاهره فإن العبد إذا ولي الخلافة لا يطاع بل يخلع ويعزل: قال

الخطابي: قد يضرب المثل بما لا يقع في الوجود. وقال الحافظ في الفتح: ونقل ابن

بطال عن المهلب قال: قوله: (اسمعوا وأطيعوا) لا يوجب أن يكون المستعمل للعبد

إلا إمام قرشي لما تقدم من أن الإمامة لا تكون إلا في قريش وقد أجمع الأمة على أنها

لا تكون في العبيد ويحتمل أن يكون سماه عبدا باعتبار ما كان قبل العتق. اه

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا) · الجزء ٥ · الصفحة ٤

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا)ج ٥ · ص ٤